و ثانيا إن ملاحظته حول عدم ذكر التواريخ و أسماء الأشخاص و الأماكن في القرآن ، ليست ملاحظة مطلقة ، بل هي ملاحظة نسبية ، لأن القرآن الكريم لم يذكر التواريخ و لم يُكثر من ذكر أسماء الأشخاص و الأماكن ، لكنه ذكر كثيرا منها ، كأسماء الأنبياء عليهم السلام: آدم ، و نوح ، و إدريس ، و إبراهيم ، و موسى ، و محمد صلى الله عليه وسلم . و من غير الأنبياء: زيد ، و آزر ، و فرعون ، و أبو لهب . و من الأماكن: مكة ، و يثرب ، و مصر ، و بابل ، و بدر ، و حنين . و أما فيما يخص التواريخ فالقرآن لم يحدد التواريخ ، لكنه أشار إلى ما يُساعد على معرفة زمان كثير من الحوادث التي ذكرها ، و ذلك من خلال أسماء الأشخاص و الأماكن ، و ذكره لتسلسل مجيء كثير من الأنبياء من آدم إلى محمد -عليهم الصلاة و السلام .
و ثالثا إن زعمه بأن عدم ذكر التواريخ و الأسماء في القرآن ، كان للأجل نزع الصفة التاريخية عنه ، فهو زعم باطل ، لأن لا تاريخية القرآن لا تقوم أساسا على تلك الأمور ، بدليل أنه ذكر كثيرا منها ، و إنما تقوم أساسا على أن القرآن كلام الله تعالى المُعجز المُتحدى به . و الله تعالى لم يذكر فيه تفاصيل التواريخ زمانا و مكانا و أعلاما ، لأنه كتاب إيمان و هداية ، و تربية و عبادة ، و ليس كتاب تاريخ ، و على الإنسان أن يجتهد و يبحث لمعرف تفاصيل التاريخ لينتفع به ، و قد حثه القرآن على ذلك . و حتى إذا ما افترضنا بأن القرآن قد حدد تواريخ و أماكن و أشخاص كثير من الحوادث التي ذكرها ، فإن ذلك لن ينزع عنه الصفة الإلهية ، و لن يُدخله في تاريخية أركون المزعومة .