و الخطأ الثاني يتعلق بقوله بأن السمة الإلهية للشريعة ، لا يُمكنها أن تحيلنا في الواقع إلا إلى التصور الذي شكّله علم التفسير ، و علم الكلام ، و الفقه (1) . و قوله هذا غير صحيح في معظمه ، لأن الشريعة الإلهية-كتابا و سنة صحيحة- منفصلة تماما عن ما أنتجه المسلمون من علوم و أفكار في تفسيرهم للشريعة ، فالإسلام- و هو الشريعة- يُفهم نفسه بنفسه بمحكماته ، و إرجاع متشابهه إلى محكماته ، و فهمه بما صح من سنة الرسول -صلى الله عليه و سلم- ، فالشريعة فيها قوة فهم ذاتية ، و أما ما أنتجه المسلمون من علوم في فهمهم للشريعة ، فليس هو الذي يتحكم فيها ،و إنما هي التي تتحكم فيه ، فما وافقها قبلناه ، و ما خالفها رفضناه ، و كم يُوجد في ذلك التراث من أفكار باطلة و مذاهب فاسدة ؟.
و الخطأ الثالث هو أمر مُتعمد من أركون في النظر إلى القرآن و إثارة الشبهات حوله ، فعل ذلك عندما قال: (( و هكذا مُحيت التواريخ ، و أسماء الأماكن ، و أسماء العلم ، و الأحداث الفردية من الآيات ، لنزع الصفة التاريخية عنها ) ) (2) .
و ردا عليه أقول: أولا إنه لا يصح أبدا استخدام كلمة (( مُحيت ) )، و إنما الصواب أن يُقال: لم تُذكر التواريخ ، و أسماء الأماكن و الأشخاص ... ، لأن عبارة: مُحيت تعني أنه كانت في القرآن تلك الأمور ثم نُزعت بالمحو ، و هذا طعن في القرآن بطريقة ماكرة ، و قول بتحريفه ، و هو زعم باطل يرده القرآن نفسه ، و التاريخ الثابت الصحيح ، و هو أيضا افتراء على الله و رسوله و المؤمنين . و إن أصر هو على استخدام تلك العبارة ، فنقول له: كان عليك أن توثق زعمك بالشواهد الشرعية و التاريخية و العقلية ، و لا تختفي وراء تلك العبارة الماكرة ، و نحن على يقين بأنك لن تظفر بذلك ، لأننا نعلم بأنها لا توجد ، و لو كانت عندك ما تخلفت في استخدامها .
(1) نفس المرجع ، ص: 37 .
(2) الفكر الإسلامي ، ص: 72 .