وبناء علي هذا التفريق الدقيق لمعاني الخلافة، نري أن الذين خلفوا المهلكين «خلائف» عليهم أن يخالفوا من سبقهم، وأن الذين خلفوا الصالحين «خلفاء» عليهم أن يقتدوا بمن سبقهم، ومن ثم نقول «خلفاء النبي» الذين اقتدوا به، ولا نقول خلائف النبي» 1.
فإذا اقتدي الخلفاء بمن سبقهم من الصالحين كانوا خلفا لخير سلف، وإذا لم يقتدوا بهم كانوا خلفا خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات [مريم:59] .
وهكذا نري التداخل بين الخلافة العامة وخلافة الخلائف وخلافة الخلفاء وخلافة الأمير، كما نري أن التريق بين معانيها يؤدي إلي التكامل فمن الخلافة العامة للبشرية إلي خلافة أمة لاخري (خلافة الخلائف والخلفاء) إلي خلافة الأمير وكأنها تبدأ من الأوسع لتنتهي إلي الأضيق.
كذلك نجد تكاملا بين خلافة الإنسان للّه بمعني نيابة عنه في تسخير الكون والتسلط عليه بإذنه - و هي خلافة عامة للبشرية - و بين خلافته عن اللّه في إمضاء أحكامه وتنفيذ شرائعه - و هي خلافة خاصة بالمؤمنين - و خلافة عنه بالتخلق بأخلاق اللّه قدر الطاقة البشرية - كما قيل: تخلقوا بأخلاق اللّه - و هي خلافة خاصة بأولياء اللّه المقربين -.
تداخل لغوي اصطلاحي من جهة .. وتكامل من جهة أخري:
عرفنا مما تقدم أن الاشتراك في اللفظ عن طريق النقل من المعني اللغوي إلي المعني الاصطلاحي هو الخطوة الأولي التي يتداخل بها المعني اللغوي بالمعني الاصطلاحي، وأنه لا بد من مراعاة سياق الكلام لبيان المراد، وتوضيحا لهذا لا بد من التمثيل:
-لفظ «الصلاة» :
«الصلاة - في الأصل:الإقبال علي شي ء، ومنه «الركوع» ، و منه «التعظيم والتضرع والدعاء» ، و هي كلمة قديمة بمعني الصلاة والعبادة، وقد جاءت في الكلدانية بمعني الدعاء
(1) انظر: الخلافة في الأرض، لصاحب هذا البحث، ص:22 وما بعدما.