من بعث إليهم النبي صلي اللّه عليه وسلم من مسلم وكافر، ومنه قوله صلي اللّه عليه وسلم فيما أخرجه مسلم في صحيحه: «و الذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» 1.و قد فرق العلماء بين المعينيين بأن أطلقوا علي الأمة بالمعني الأول: أمة الإجابة. وعلي المعني الثاني: أمة الدعوة، والقرينة تصرف إلي أحدهما» 2.
وهكذا رأينا التداخل في لفظ «الأمة» بين الجماعة والدين والرجل المنفرد الذي لا نظير له، ورأينا التكامل بين أنواع الجماعات التي وردت فيها الأمة بمعني الجماعة، كما رأينا التكامل في معني الدين، ويمكن لنا أن ننظر إلي هذه المعاني الأخري نظرة تكاملية مختلفة فنقول:
تتمثل «الأمة» بمعني «الدين» أولا برجل واحد، حينما يكون علي دين الحق مخالفا لسائر الأديان وهو النبي غالبا، أو من يسير علي طريقته، ومن ثمّ يكون الرجل الذي لا نظير له، لأنه الرجل الجامع للخير، والذي يكون إماما وقدوة لغيره من الناس.
فإذا استجابت لهذا الرجل فئة من الناس، وسارت علي طريقته ومنهجه، سميت أمة لاجتماعها إليه في حال الدين، أو لأنها تعبير عملي عن تعاليم الدين وأحكامه مطبقة في عالم الواقع.
فإذا تخلت الأمة عن دينها وعقيدتها، فقدت حقيقة وجودها، ومن ثمّ تسمي أمة باعتبار ما كان. فكأن «الأمة» - هنا - يراد بها الحقبة الزمنية التي كانت فيها ملتزمة بدينها وكأن القرآن يلفتنا في هذا إلي أن التاريخ لا يكون بواحدات زمينة فقط، وإنما يمكن أن يحسب بوحدات دينية أيضا يعبر عنها بـ «الأمة» ويراد بها الحقبة الزمنية التي كانت فيها تلك الأمة منسجمة مع عقيدتها ودينها، وهذا يعني أن الإسلام لا يعطي الاعتبار الأكبر للزمن وإنما لما يجري فيه من نماذج عملية ملتزمة بطرق الهداية، وفي المقابل يطلق
(1) 1/ 134، حديث (153) في كتاب الإيمان.
(2) عن كتاب «الأمة في دلالتها العربية والقرآنية» لصاحب هذا البحث ص:48.