وكذلك قوله تعالي لمن أرادوا أن تكسر علاقة المبدأ في بعض جوانبها لفائدة الحسابات الظرفية:
ولا يجرمنّكم شنآن قوم علي ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتّقوي وتّقوا اللّه إنّ اللّه خبير بما تعملون
وقد نبه الأستاذ مالك بن نبي إلي أن مرحلة الروح تطبع المجتمع بطابعين مهمين هما:
1 -خنوس الأنا الذاتية، وانسجامها مع المسار العام للمجتمع.
2 -انسداد الفجوات الاجتماعية وغياب الفراغ الاجتماعي.
وفي هذه المرحلة تكون كل الملكات (الغرائز، العقل) تحت سيطرة الروح، فإذا ما أفلتت الروح، وظهرت بوادر الفتور، انتهت مرحلة التألق والإشعاع، لتبدأ مرحلة لها ميزاتها الخاصة وهي مرحلة العقل، حيث تكون جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة العقل، متجهة نحو المشكلة المادية. وتصبح مرحلة العقل مرادفة للحسابات الشخصية والأنانية والمصلحة، وتمزق الجوانب الاجتماعية من خيوط شبكة العلاقات كما حدث في معركة صفين 36 ه2.
ثم تحصل بعض التفككات الروحية في الفرد وفي روح الجماعة والمجتمع بالنفصال الأساس المعرفي عن البعد الثقافي، وبانفصال الأساس والإيماني عن البعد السلوكي، وتبدأ مرحلة الغريزة المتحررة من وصاية الروح والعقل، وفي هذه المرحلة يصبح النشاط الجمعي المشترك مستحيلا، وتسود الفوضي والاضطراب، ويسود المرض الاجتماعي، وتظهر آثاره في علاقات الأفراد وأخلاقهم، فيكون تضخم الأنا وانتفاخها، وتتحلل شبكة العلاقات الاجتماعية عند ما يسترد استقلاله وسلطته في داخل الجسد الاجتماعي. وتميل الكفة في هذه المرحلة إلي الشيئية، ويسود قانون الكم والعدد .. ويسود المجتمع الانحطاط،
(1) سورة المائدة:9.
(2) نظرية الدورة الحضارة عند مالك بن نبي، يزيد رمرم، جريدة الشروق الثقافي، عدد 15، 11/ 11/1993 م، ص 13.و ميلاد مجتمع، مالك بن نبي، ص 40.