وإن الفكرة الدينية تبث في روح معتنقيها الأخلاق الرفيعة، ومهن شذا عبقها الفياح تنتشر وتنبعث حياة المجتمع الفكرية المتجددة، فإذا فقدت الأمة الأخلاق تحررت الغريزة، وهنا تنتصر الهمجية، وتحيا الهمجية، وتسقط الحضارة علي إثر تحرر الغرائز. فإذا ما تحررت الغرائز في الأفراد وسيطرت عليهم توجهت عقولهم نحو الكم والأرقام، وفقد الإنسان قيمته الروحية الحقيقية وصارت منتجات الحضارة في يده وسيلة استعمار، ووسيلة اضطهاد وظلم وفساد وضغط ..
كما يري الأستاذ مالك بن نبي أن الحضارة تبدأ ببزوغ فكرة دينية فيه، وتسمي هذه المرحلة بمرحلة الروح، وتكون الحضارة فيها في طور الميلاد والنشأة، ثم تليها مرحلة انتشار وتوسع الحضارة، وتسمي مرحلة العقل، لتنتهي إلي مرحلة الغريزة وهي مرحلة الأفول والتلاشي 1.
ومن خلال هذا العرض السريع لمفهوم الحضارة عند مالك بن نبي نتبين أنه قد عرفها من خلال ثلاثة مستويات، فتعريفه لها من حيث تركيب عناصرها، يشير إلي النظرة النشوئية التكوينية، وتعريفه لها من حيث وظيفتها، يشير إلي النظرة الوظيفية،:و تعريفه لها من الناحية التاريخية يشير إلي النظرة التاريخية التطورية البيانية2.
*عناصر نظرية الحضارة عند مالك بن نبي:
يري الأستاذ مالك بن نبي أن الحضارة لا تستقر في مكان واحد في الأرض، كما أنها لا تثبت في رفعة جغرافية معينة، أو عند شعب معين، بكل تسير وتتحرك من مكان لآخر، ومن شعب لآخر « .. لأن الحضارة تسير كما تسير الشمس، فكأنما تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب، ثم متحولة إلي أفق شعب آخر .. » 3.
(1) شروط النهضة، مالك بن نبي، ص 98 و99.
(2) مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي وارنولدتوينبي، آمنة تشيكو، ص 111.
(3) شروط النهضة، مالك بن نبي، ص 73.