الصفحة 294 من 378

وأشيائها لا يعتبر إنجازا حضاريا، لأن الحضارة: « .. هي نتاج فكرة حية تطبع علي مجتمع في مرحلة ما قيل التحضر، الدفعة التي تجعله يدخل التاريخ، فيبني هذا المجتمع نظامه الفكري والثقافي طبقا للنموذج المثالي الذي اختاره، وعلي هذا تتأصل جذوره في محيط ثقافي أصيل تتحكم بدوره في جميع خصائصه التي تميزه عن الثقافات الأخري، والحضارات الأخري .. » 1.

*نظرية الحضارة عند مالك بن نبي:

يعرّف الأستاذ مالك بن نبي الحضارة بالنظر إلي عناصر تركيبها الأساسية، فهي: معادلة تركيبها الحدود التالية: [إنسان+زمن - الحضارة] 2.

فالحضارة تبني بالنظر لما يحمله الإنسان من عقيدة وفكر، فيستغل بها التراب الذي يكتنز مختلف ضرورات الحياة، كما يستغل عامل الوقت بتحويله إلي ساعات عمل وإنتاج. فمشكلة الحضارة والتخلف والتبعية لا نحلّها باستيراد منتجات الحضارة قائمة، بل نحلها بحل مشكلات الإنسان والتراب والوقت.

كما أن عناصر الحضارة هذه لن تجدي نفعا إذا لم يكن الجامع بينهما هو الفكرة الدينية، التي تسيطر علي روح الفرد وعلي حياة الأمة، وتظل هي العامل الرئيسي في سيرها التاريخي، وفي تأكيده علي فاعلية الفكرة الدينية لبناء الحضارة يقول: « .. فالحضارة لا تنبعت إلا بالعقيدة الدينية. والحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلاّ في صورة وحي يهبط من السماء، يكون للناس شرعة ومنهاجا .. فكأنما قدّر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة إلاّ حيث يمتد نظره إلي ما وراء حياته الأرضية .. » 3.

(1) مشكلة الأفكار، مالك بن نبي، ترجمة محمد عبد العظيم، ص 49.

(2) ميلاد مجتمع، مالك بن نبي، ص 29.

(3) شروط النهضة، مالك بن نبي، ص 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت