فالحضارة أمان للإنسان والإنسانية، وحصانة طبيعية لإنسانيته المتميزة، وحماية لكافة حقوقه وحرياته وواجباته وحاجياته، وبها يجد الأمن لمصيره ومستقبله، لكونها تستطيع أن تقدم له الضمانات الحقيقية والواقعية لوجوده، لأن وظيفتها تأمين الحماية للاستمرارية الثقافية والمدينة والحضارية للفرد والمجتمع، وقد دعا الأستاذ مالك بن نبي إلي « .. أن يكون للمجتمع مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيسح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلي الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذلك من أطوار نموه. فالمدرسة والعمل والمستشفي ونظام شبكة المواصلات والأمن في جميع صوره عبر سائر تراب القطر، واحترام شخصية الفرد، تمثل جميعها أشكالا مختلفة للمساعدة التي يرد ويقدر المجتمع المتحضر علي تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه .. » 1.
ومهما كان شكل الضمانات التي يقدمها المجتمع للفرد، سواء أكانت صدقة، أو زكاة، أو كفالة، أو إعانة، أو تعليما، أو تكوينا فهي أشكال من الضمانات التي تصون أفراد المجتمع لأن المجتمع الذي يقوم بالفعل الحضاري، هو المجتمع الحقيقي المتحضر، الذي يتغير ويتطور هو الذي يصنع الحضارة، وليست الحضارة سوي « .. محصلة تفاعل الجهد الإنساني مع سنن الآفاق والأنفس والهداية، من أجل الترقي المعرفي والروحي والسلوكي والعمراني في عالم الشهادة .. » 2.
لأن الحضارة إنجاز خلال الزمان التاريخي، ويشمل هذا الإنجاز كل مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية. ولذلك يؤكد مالك بن نبي علي فكرة أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها، أو هي التي تصنع منتجاتها، وكل استيراد لمنتجاتها
(1) القضايا الكبري، مالك بن نبي، ص 43.
(2) موقع المسألة الثقافية في استراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، الطيب برغوث، ص 10.