الصفحة 288 من 378

فهنا نجد مالكا يتميز بتنسيق أفكاره أثناء مناقشاته مع صديقه حمودة بن ساعي صاحب الثقافة الواسعة، فقوّة نظره، ودقة تحليله تجعله ينظر للمسألة من زوايا متعددة، حتي إنه لا يركن إلي فكرة أو رأي حتي يدعمه بالحقائق والدلائل المنهجية والمنطقية والتاريخية والسياقية والدينية .. فتكوينه العلمي والرياضي يجعله لا يقوم بسرد التفاصيل والوقائع والأحداث والإطناب فيها، بل نجده يوجه كامل طاقته الفكرية للتحليل والتركيب والتعمق، والملاحظة الدقيقة، مع صرامة في المنطق التحليلي والاستنباطي، ولذا فهو في كل كتبه يبدو فيلسوفا للتاريخ، حكيما اجتماعيا، محللا نفسانيا، خبيرا اقتصاديا وسياسيا، عارفا بالأديان والجغرافيا .. الأمر الذي يجعله يوظف كل معارفه من هذه العلوم لتحليل الأحداث، وعدم الاكتفاء بنظرة واحدة ضيقة.

وكل من قرأ له، أو سمعه يحاضر، أو يناظر أو يناقش يكتشف بسرعة تكوينه العلمي، ومصطلحاته الرياضية والفيزيائية والكيمائية، التي وظفها في حقل الدراسات الإنسانية، فجاءت لتنوير وحل الكثير من القضايا الفكرية العالقة، وما كان ذلك إلاّ لنزعته العلمية التحليلية1.

2 -النسقية:

ونقصد بها الانسجام وعدم التناقض الفكري، الذاتي والموضوعي، الداخلي والخارجي،

والابتعاد عن خيانة المبادئ، فمالك حين يتصدي لقضية ما، ويعتقد أهميتها، يظل يؤكد قيمتها، وهو يعالجها بكل صدق وإخلاص، ولا يتراجع عنها في سائر كتبه، إلاّ إذا اكتشف خطأها، وهذا مالم يلحظ عليه.

وإذا ما توصل إلي فكرة معينة، فهو يسعي بكل ما ملك من معارف وحقائق ومناهج ... لتدعيمها، فكل كتبه تبرز إيمانه بالحضارة والثقافة وعالم الأفكار والقيم ..

(1) صفحات مشرقة من فكر مالك بن نبي، ص 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت