الصفحة 289 من 378

ولا نجد في كتاب من كتاباته قد تخلي عنها أو نسيها، ولذا فأفكاره متناسقة منسجمة، لا تعارض ولا تناقض بينها.

3 -الواقعية:

عند ما يعالج مالك بن نبي قضية من القضايا، لم يكن ليسبح في الخيال والوهم، بل كان موضوعيا واقعيا إلي حد كبير، لأنه ينطلق من الواقع القائم، ومن التجربة الحية الواقعية، ومن تجارب يعيشها وعاشها العالم الإسلامي، وقد جلي هذه الحقيقة صديقه الأستاذ الدكتور عبد العزيز خالدي، وهو يقدم له كتابه شروط النهضة، فقال: « .. ابن نبي في الواقع ليس كاتبا محترفا، أو عاملا في مكتب، منكبا علي أشياء خامدة من الورق والكلمات، ولكنه رجل شعر في حياته الخاصة بمعني الإنسان في صورته الخلقية الاجتماعية، وتلك هي المأساة التي شعر بها ابن نبي بما فيها من شدة، وبكل ما صادف في تجاربة الشخصية من قساوة .. » 1.

لقد كان الواقع يدعوه للتأمل والتحليل والبحث عن حلول لأمته التي غمرها الجهل والفقر والقابلية للاستعمار، إلي أن وقعت فريسة سهلة بيد الاستعمار. فواقعيته هي التي جعلته يغير مسار حياته من مهندس كهرباء إلي باحث اجتماعي وفيلسوف تاريخي، لإيمانه بحاجة أمته إلي بناء الإنسان المنهار، أكثر من حاجتها إلي بناء الأشياء والجمادات. لقد كانت انطلاقته من مشكلات عصره، التي اعترضت سبيل أمته عن النهوض، فاستحوذت علي فكره، وتفاعل معها مقترحا لها الحلول المناسبة2.

فلم تكن الكتابة هوايته، ولكنه كان يعالج قضايا وطنه وأمته، والإنسانية التائهة، وكان يردد فيقول: « .. لست كاتبا بالمعني المهني، الذي صاحبه يبحث الموضوع ليخرجه

(1) شروط النهضة، مالك بن نبي، مقدمة الكتاب بقلم الأستاذ الدكتور عبد العزيز خالدي، ص 6.

(2) منهج التفسير في فكر مالك بن نبي، نصر الدين عزوني، ص 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت