أجسم من النفع المجلوب من هذا الرد عملا بالقاعدة الأصولية: دفع المضار أولي من جلب المصالح: ولعل الأستاذ مالك بن نبي لم يهضم المسألة يومها، فبالغ مبالغة كبيرة في تقدير حجم الخلاف، وأعطاه أبعادا لعلها لم تكن لدي الشيخ تصورا ومنطلقا وممارسة وغاية وهدفا ونتيجة.
*خصائص ومميزات فكره:
إن الدارس المتمعن في فكر وآثار الأستاذ مالك يجد أنه يتميز بالخصائص والمميزات التالية:
1 -النزعة التحليلية:
يلحظ الدارس لفكر مالك بن نبي بروز النزعة التحليلية، فلا يتبني رأيا أو يذهب مذهبا، إلاّ بعد أن يدقق فيه، ويحلله، ويفككه، ويركبه، فله منهج تحليلي تركيبي متميز في الاستدلال والاستنباط خاص به، وفي هذا الصدد قال عنه الدكتور طه جابر العلواني: « .. وهو في تناولاته تلك يجمع بين صنعتين، مهندس دقيق، يعرف كيف يقوم بعمليات الهدم والتفكيك، و كيف يتجاوزها بعد ذلك، للقيام بمهمة البناء والتركيب، ملاحظا سائر المؤثرات ومختلف الأدوات وجميع الشروط .. » 1.لقد كان مالك بن نبي ذا تفكير منهجي، وذا نزعة تحليلية رياضية، نظرا لتخصصه في الكهرباء والهندسة، فكل المعادلات التي ترد في كتبه تترجم ثقافته الرياضية، التي ساعدته علي أن يكون منهجيا، يحسن تنسيق أفكاره وترتيبها، وهو يعترف بما حققه له تكوينه الرياضي فيقول: « .. لكن ربما أفيده من ناحية تنسيق الأفكار، ويساعدني علي ذلك الأسلوب الرياضي الذي انطبعت به، حتي كان أحيانا هذا الأسلوب نفسه موضوع نقاش حاد بيننا، وذلك عندما ينتقد صديقي جفاف الفكر الهندسي .. » 2.
(1) صفحات مشرقة من فكر مالك بن نبي، ص 18.
(2) مذكرات شاهد القرن، ص 252.