وبالرغم من ثناء الأستاذ مالك في الكثير من المواضع علي الشيخ العربي في مذكراته، كقدرته علي استقطاب مدعوي غيره من شيوخ تبسة، واضطلاعه بريادة العمل التنويري فيها .. إلا أنه كانت تبدو منه أيضا الكثير من الاعتراضات علي منهج وطريقة وأسلوب الشيخ العربي، وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، من ذلك قوله: « .. وكانت الفكرة تجعلني أكثر استلطافا للشيخ ابن باديس .. لقد كانت لديه إنسانية الشيخ سليمان ونظرات الشيخ العربي القاسية. فكانت الأولي تحد من تطرف الثانية.» 1.
ثم يعقب الأستاذ مالك علي نفسه، مبررا ومعللا الكثير من مواقفه غير الطبيعية حيال سلوك ومنهج الشيخ العربي تارة بتعلات فكرية، وتارة أخري بتعلات نفسية تربوية. من ذلك مثلا تعليله لاستلطافه الشيخ باديس علي الشيخ العربي بقوله: «فأحكامي المسبقة ربما أورثتنيها طفولتي في عائلة فقيرة في قسنطينة، زرعت لا شعوريا في نفسي نوعا من الغيرة والحسد حيال العائلات الكبيرة التي كان الشيخ العربي ينتمي إلي واحدة منها .. » 2.
ومن تعلات الأستاذ مالك الفكرية ما ذهب إليه في معرض تبرير طبيعة الخلاف بينه وبين الشيخ العربي قوله: « .. واتفق في تلك الفترة أن اطلع الشيخ العربي علي كتاب فقه جاء هدية من صاحب سعودي لا جئ إلي القاهرة، وكان عنوانه الغريب (الصراع) يستغرب علي غلاف كتاب يدرس الفقه، وله مقدمة أغرب من العنوان، لأنها تنتاول بإسهاب وبراعة نادرة دور القيم اليهودية في صناعة العالم العصري. فقرأه الشيخ العربي واقترح أن أقرأه أيضا، لأن المقدمة لفتت نظره، ورأي أنها لو ترجمت للفرنسية لأفادت في توجيه الشباب الجزائري في تلك الفترة، وكان رأيه أن أضيف ما جادت به القريحة حتي ينشر الكل في صورة كتيب باسمي واسم الشيخ، الذي تعهد من ناحية أخري بتكاليف
(1) مذكرات شاهد القرن، مالك بن نبي، ص 131.
(2) المصدر السابق، ص 131.