الصفحة 27 من 378

واعمل بالقرآن، وقد أمرنا أولا بإطاعة اللّه ثم بإطاعة رسوله. ولا شك أن الأمرين واحد، فإن لم يرد اللّه أن تقدم كلامه علي ما روي عن رسوله فماذا إذن أراد بهذا الحكم 1؟

أصول التأويل:

«قد جعل العلماء طرفا من أصول التأويل جزءا لأصول الفقه، أي فروع الشرائع. فلكونه جزءا صار غير مستقل، ولم يعط من الاهتمام والإتمام ما يعطي لفن مستقل.

ثم لكونه مستعملا للفروع، لم يعط من التيقظ والاحتياط ما يعطي لأصول الدين، ومعلوم أن الاختلاف في فروع المسائل هيّن فهان أمره.

وكذلك لكونه مشتركا بين الكتاب والسنة لم يختص بما هو أهله؛ إذ السنة معظم العناية فيها نقد الرواة، فلا يتعمق في متونها من قبل خواص ألفاظها وتراكيبها - إذ الروايات أكثرها بالمعني -.

وأما القرآن فيعض عليه بالنواجذ فيحافظ علي حروفه وحركاته، ويعتمد علي ما يستنبط من نظمه وإشاراته، وتنفي الاحتمالات الضعيفة عن تأويل آياته، ويرد ما اشتبه منه إلي محكماته، فلا يفتقر فيه الأخذ بالهويني، لا في تأويله ولا في تنزيله.

فلو جعل هذا الفن من علم التفسير لعظم محله في الدين، ولا فرغ له الجهد التام، وأخذ فيه بالاحتياط من الآراء الضعيفة. وبعد ذلك يكون استعماله في الحديث وسائر الكلام علي التبع والتطفل.

وبالجملة فإدخال أصول التأويل في أصول الفقه - بمعني علم المسائل الفرعية - حطّ علما التأويل عن محله ومكانته بثلاث مراتب:

الأولي: كان حريا بالبحث المستقل، فصار له شركاء، فغدا مغمورا معها.

والثانية: أنه كان معظم علم التفسير، لكونه أصولا لفهم القرآن، وإذ جعل من علم الفروع لم يبالغ في تنقيحه حتي يصير لعلم التأويل كالمعيار والميزان، مثل علم النحو

(1) التكميل في أصول التأويل:65 - 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت