الصفحة 222 من 378

أدوات الاستقطاب، فقد اعتمدت المدارس النظامية علي إيجاد صلات علمية مع علماء المغرب والأندلس المستقرين في المدن التجارية المهمة كسجلماسة وفاس وأغمات وقرطبة وإشبيلية وتلمسان، وتلك حقيقة أكّدها الجغرافي الأندلسي عبيد اللّه البكري الذي وصف المدينة الأخيرة بأنها «دار للعلماء والمحدّثين وحملة الرأي علي مذهب مالك بن أنس رحمه اللّه» 1.

في ضوء هذه المستجدات التي عرفها المدّ السنّي في بلاد المشرق الإسلامي خلال القرن الخامس الهجري عن طريق المدارس النظامية، بات بديهيا أن يصل تأثيره إلي المغرب والأندلس؛ ولا غرو فإن الشهرة التي اكتسبتها تلك المدارس جعلت علماء الغرب الإسلامي يتقاطرون عليها ويتأثرون بأعلامها، إذ تشير المصادر إلي ثلة من هؤلاء العلماء الذين يمّموا وجههم نحو العراق للقاء علماء السنّة المشارقة، نذكر من بينهم أبابكر بن العربي 2و أبا الوليد الباجي، وأبا علي الصدفي 3، و أبا عبد اللّه الحميدي، وأبابكر الطرطوشي 4.

ويبدو أن المدارس النظامية السنّية بالعراق أخذت بإعجاب علماء المغرب والأندلس إلي درجة أن بعضهم قضي بها ردحا من الزمن، وحسبنا أن أبا علي الصدفي مكث بها مدة ناهزت الخمسة أعوام قضاها صحبة العلماء هناك 5.و لم تحل خطورة الطريق الواصل بين الشام والعراق آنذاك دون تردد الفقيه الأندلسي أبي بكر بن العربي علي العراق مرتين، ولم يخف هذا العالم الأندلسي إعجابه بالمناخ العلمي السائد فيها6؛بل ثمة من العلماء

(1) المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، للبكري، ص 77.

(2) انظر ما ورد عن رحلته مع والده إلي الخليفة العباسي المستظهر باللّه، ولقائه بأستاذه الإمام الغزالي في كتاب"ترتيب الرحلة في الترغيب للملة" (مخ) خ. ع. و. م. ر، رقم ك 1275، ضمن مجموع.

(3) كتاب في تراجم الأولياء، لمؤلف مجهول، (مخ) خ. ع. و. م. ر، رقم ج 1271، ص 201.

(4) أعلام الإسكندرية، لجمال الدين الشيال، ص 60.

(5) التكملة لكتاب الصلة، لابن الأبار، تحقيق عبد السلام الهراس، ج 1، ص 236.

(6) العواصم من القواصم، لأبي بكر بن العربي، تحقيق عمار الطالبي، ص 498.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت