الصفحة 221 من 378

لقد جاءت الصحوة السنّية التي شهدها المشرق الإسلامي خلال القرن الخامس الهجري نتيجة صراع ضار خاضه السلاجقة ضد أنصار المذهب الشيعي، ولم يتوقفوا أحيانا عن استخدام القوة العسكرية لتثبيت دعائم المذهب السنّي 1.إلا أن الظاهرة الجديدة اللافتة للانتباه في تطور الصراع بين المذاهبين خلال القرن الخامس الهجري، تتجلي في تغيير السلاجقة أسلوب المواجهة ضد خصومهم الشيعة من الحرب والاقتتال، إلي طابع سلمي يتجلي في إنشاء مدارس أطلقوا عليها اسم المدارس النظامية، نسبة إلي الوزير السلجوقي نظام الملك الذي أبدع هذا الأسلوب الجديد لإيقاف الاكتساح الشيعي، والحد من تغلغله في شرايين المجتمع العراقي، مقابل إنعاش الفكر السنّي وسيادته في كافة مناحي الحياة2، لذلك يمكن القول إن المدارس النظامية حملت أهدافا استراتّيجية لتحقيق مشروع المدّ السنّي عبر أرجاء العالم الإسلامي 3، و حسبنا أنها أنشئت في أهم المدن وفق توزيع جغرافي محكم لأداء غاياتها وتحقيق أهدافها المتوخاة4.و أسفرت هذه المدارس عن انتصار المذهب السنّي، وتكوين أطر تكلفت بمهمة تدريسه ونشره، وبذلك حقق هذا المذهب انتصارا بيّنا في صراعه مع المذهب الشيعي 5.

ولتحقيق فكرة الامتداد السنّي عبر المجال الإسلامي برمّته، عوّلت هذه المدارس في إطار خطتها الشاملة، علي استقطاب العلماء من كافة أرجاء العالم الإسلامي، وضمنها علماء المغرب والأندلس. وبما أن أسلوب الدعوات المذهبية اقترن دائما بالتجارة كأداة من

(1) تاريخ الخلفاء، للسيوطي، ويذكر عدة عمليات عسكرية قام بها السلاجقة ضد خصومهم الشيعة، انظر: ص 418، 419، 424، 425، 427.

(2) تاريخ الجامعات الإسلامية الكبري، لمحمد عبد الرحيم غنيمة، ص 75.

(3) وفيات الأعيان، لأبن خلكان، ج 4، ص 217 - تاريخ الخلفاء، للسيوطي، ص 420 - أعلام الإسكندرية، لجمال الدين الشيال، ص 60.

(4) التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي من القرن الخامس الهجري حتي سقوط بغداد، لعبد المجيد بدوي، ص 180.

(5) نفس المرجع، ص 208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت