الصفحة 220 من 378

تأسيسا علي هذه النصوص القرآنية والحديثية، انطلق العلماء المسلمون وضمنهم علماء المغرب والأندلس، يجوبون الأرض طولا وعرضا لتحصيل العلم والمعرفة. وقد شمل خط رحلتهم مختلف الاتجاهات، بيد أن الاتجاه نحو المشرق الإسلامي شكل نصيب الأسد في تلك الرحلات، رغم بعد الشقة ومخاطر الطريق، وهو أمر لا يفسّر بما كان يزخر به المشرق من مناخ فكري شكّل مركز استقطاب دائم للعلماء فحسب، بل يفسّر أيضا برغبة هؤلاء في أداء فريضة الحج، وهي فرصة كانوا يغتنمونها لإكمال الرحلة نحو الشام والعراق وغيرها من مراكز الثقافة الإسلامية.

وبذلك تصبح رحلة علماء المغرب والأندلس نحو المشرق الإسلامي أول عامل ساهم بشكل مباشر في تدعيم المذهب المالكي بالمغرب والأندلس، خاصة إذا وضعنا في عين الاعتبار طن المغاربة والأندلسيين كانوا يتنافسون في القيام برحلات علمية للمشرق، سواء نحو مكة المكرمة أو المدينة المنورة، أو بلاد الشام. غير أن أهم محطة مشرقية شدوا إليها الرحال كانت بلاد العراق التي شكلت خلال القرن الخامس الهجري صرّة الثقافة الإسلامية، حتي إن ابن حزم، وهو من كبار العلماء الأندلسيين، عدّها «دار هجرة الفهم وذويه ومراد المعارف وأربابها» 1، و اعتبرها المستشرق ليفي بروفنسال Levi Provencal محطة علمية أساسية لعلماء الأندلس خلال القرن المذكور2.بيد أن النقطة الجوهرية في الرحلة العلمية المغربية - الأندلسية نحو العراق تكمن في أن هذه الأخيرة شهدت خلال القرن الخامس الهجري صحوة المذهب السنّي وسيادته في كافة مناحي الحياة، وهو ما سيساهم بشكل مباشر - انطلاقا من مبدأ التفاعل والتأثر والتأثير بين جناحي العالم الإسلامي - في انتشار المالكية بالمغرب والأندلس أيضا.

(1) رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها، ضمن كتاب رسائل ابن حزم، لابن حزم الأندلسي، ج 2، ص 187.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت