قال أبي: وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قنت في الوتر بعد الركوع، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء" [1] [106] )."
وقال ابن أبي شيبة (ت235هـ) رحمه الله بعد روايته عن أشعث عن الحكم عن إبراهيم قال عبد الله: لا يقنت السنة كلها في الفجر ويقنت في الوتر كل ليلة قبل الركوع". قال أبوبكر:"هذا القول عندنا" [2] [107] )."
قال محمد بن نصر المروزي (ت294هـ) رحمه الله:"سئل أحمد عن القنوت في الوتر قبل الركوع أم بعده وهل ترفع الأيدي في الدعاء في الوتر؟ فقال: القنوت بعد الركوع ويرقع يديه، وذلك على قياس فعل النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الغداة. ..."
وكان إسحاق يختار القنوت بعد الركوع في الوتر.
قال محمد بن نصر: وهذا الرأي أختاره" [3] [108] )."
والمقصود: أن القنوت في الوتر يشرع بعد القراءة قبل الركوع في الركعة الأخيرة، ويشرع بعد الركوع فيها، والأكثر من فعله صلى الله عليه وسلم قبل الركوع، لثبوت النص به عنه صلى الله عليه وسلم، وثبوت ذلك عن جمهور الصحابة، والله اعلم.
المسألة الثالثة: هل يكبر بعد القراءة للقنوت قبل الركوع؟
الذي ورد في قنوت الوتر عن الصحابة جميعه لا يصح، وهو ما جاء عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي:"انه كان يفتتح القنوت بالتكبير" [4] [109] ).
وما جاء عن ليث عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه:"أن عبد الله بن مسعود كان إذا فرغ من القراءة كبر ثم قنت فإذا فرغ من القنوت كبر ثم ركع" [5] [110] ).
لكن ثبت عن بعض التابعين في قنوت الوتر:
عن إبراهيم النخعي رحمه الله قال:"إذا أردت أن تقنت فكبر للقنوت وكبر إذا أردت أن تركع".
وفي رواية عنه:"إذا فرغت من القراءة فكبر ثم إذا فرغت فكبر واركع" [6] [111] ).
عن شعبة قال:"سمعت الحكم وحمادًا وأبا إسحاق يقولون: في قنوت الوتر إذا فرغ كبر ثم قنت" [7] [112] ).
وعن سفيان قال: كانوا يستحبون إذا فرغ من القراءة في الركعة الثالثة من الوتر أن يكبر ثم يقنت [8] [113] ).
وقال أحمد بن حنبل رحمه الله:"إذا كان يقنت قبل الركوع افتتح القنوت بتكبيرة" [9] [114] ).
(1) ( [106] ) مسائل عبدالله لأبيه أحمد بن حنبل ص91ـ92، المسألة رقم (323) .
(2) ( [107] ) المصنف لابن أبي شيبة (2/ 305 - 306) . والأثر حسن لغيره. سبق تخريجه.
(3) ( [108] ) مختصر قيام الليل ص134. قلت: والقياس في أحكام القنوت على صلاة الغداة، يؤيده أن ما جاز فعله في صلاة الفرض جاز في صلاة النفل، فإذا تذكرنا أن الدليل قائم على مشروعية القنوت في الصلوات الخمس، ومنها المغرب، وهي وتر النهار، فأشبه شيء هي بوتر الليل، وقنت الرسول في صلاة المغرب، فأحكام القنوت في وتر النهار هي أشبه شيء بأحكام القنوت في وتر الليل، والعكس صحيح. وليلاحظ أن هذا ليس بقياس مجرد، إذ معه من فعل الصحابة ما له حكم الرفع.
(4) ( [109] ) إسناده ضعيف. سبق تخريجه.
(5) ( [110] ) حسن لغيره، بدون ذكر التكبير بعد القراءة للقنوت. سبق تخريجه.
(6) ( [111] ) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2/ 307) بسند صحيح.
(7) ( [112] ) أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 307) بسند صحيح.
(8) ( [113] ) مختصر قيام الليل ص136.
(9) ( [114] ) مسائل أبي داود لأحمد بن حنبل ص101.