عن رجل عن مسلمة بن مخلد- أنه رأى معاوية يأكل فقال لعمرو بن العاص: إن ابن عمك هذا المخضد. ما إني أقول ذا وقد سمعت رسول الله r يقول: «اللهم علمه الكتاب ومكن له في البلاد وقه العذاب» .
أبو هلال الراسبي اسمه محمد بن سليم البصري: صدوق فيه لين. التهذيب (9>173) . وهو حديث مرسل لأن جبلة بن عطية لم يلق مسلمة بن مخلد، بل بينهما رجل مجهول نسي اسمه أبو هلال. قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (3>125) عن هذا الحديث: «فيه رجل مجهول. وجاء نحوه من مراسيل الزهري ومراسيل عُروة بن رُوَيْم وحريز بن عثمان» .
ورواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2>913) بسند صحيح عن شُريح بن عُبيد مرسلًا. قال الألباني: «وهذا إسناد شامي مرسل صحيح، رجاله ثقات» . ورواه الحسن بن عرفة في جزئه (66) ومن طريقه ابن عساكر (59>79) بسند صحيح عن حَرِيز بن عثمان الرَّحَبي مرسلًا. قال الألباني: «وهذا أيضا إسناد شامي مرسل صحيح» . ورواه ابن عساكر (59>85) بسند صحيح عن يُونُس بن مَيْسَرة بن حَلْبَس مرسلًا.
قلت: وقد علمنا من شرط الإمام الشافعي في قبول المرسل (كما نص في الرسالة ص461) أنه لو جاء من وجه آخر دون أن يأتي ما يعارضه، فهو صحيح. فكيف وقد جاءنا هنا مُسندًا عن صحابيَّين؟
الشاهد الثالث: أخرج الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2>914) : حدثنا أبو المغيرة ثنا صفوان قال حدثني شريح بن عبيد أن رسول الله r دعا لمعاوية بن أبي سفيان: «اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب» .
هذا حديث مرسل قوي: شريح بن عبيد تابعي متفق على توثيقه، سمع من معاوية كما نص البخاري. التهذيب (4>288) . صفوان بن عمرو بن هرم متفق على توثيقه. التهذيب (4>376) . أبو المغيرة هو عبد القدوس بن الحجاج ثقة كذلك (6>329) .
لا أشبع الله بطنه
وروى مسلم من حديث ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله rـ فتواريت خلف باب. فجاء فحطأني حطأة وقال: «اذهب وادع لي معاوية» . قال: فجئت فقلت هو يأكل. قال: ثم قال ل: «اذهب فادع لي معاوية» . قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: «لا اشبع الله بطنه» . وفي الحديث تأكيد لصحبة معاوية t و بأنه من كتاب رسول الله r. و ليس في الحديث ما يثبت أن ابن العباس t - وقد كان طفلًا آنذاك- قد أخبر معاوية t بأن رسول الله r يريده، بل يُفهم من ظاهر الحديث أنه شاهده يأكل فعاد لرسول الله r ليخبره. فأين الذم هنا كما يزعم المتشدِّقون؟! و في الحديث إشارة إلى البركة التي سينالها معاوية من إجابة دعاء النبي r. إذ فيها تكثير الأموال والخيرات له t. فلا أشبع الله بطنك، تتضمن أن الله سيرزقك رزقًا طيبًا مباركًا يزيد عمّا يشبع البطن مهما أكلت منه. و قد كانت تأتيه -رضي الله عنه- في خلافته صنوف الطيبات التي أغدقت على الأمة كما ذكر إبن عساكر في تاريخ دمشق.
هذا مع العلم أن الحديث هذا فيه ضعف في إسناده. إذ تفرد به عمران بن أبي عطاء الأسدي أبو حمزة القصاب الواسطي و هو ضعيف. قال أبو زرعة: «بصري لين» . وقال أبو حاتم والنسائي: «ليس بالقوي» . وقال الأجري عن أبي داود: «يقال له عمران الحلاب: ليس بذاك، وهو ضعيف» . (التهذيب 8>120) . فهذا حديث لا تقوم به حجة، حتى لو أخرجه مسلم، فقد أخرج عن عكرمة بن عمار حديثًا فيه غلط فاحش عن فضائل أبي سفيان r. وعكرمة أحسن من القصاب هذا. و لست أول من ضعف هذا الحديث، فقد قال العقيلي في ضعفائه (3>299) عن حديث القصاب هذا: «لا يتابع على حديثه، ولا يُعرف إلا به» .
وعلى أية حال فلمعاوية r فضائل أخرى غير هذا الحديث، وفي الصحيح ما يغني عن الضعيف. وفي أي حال فهذا لا ينفي أن معاوية t كان من كتاب الوحي، بل أثبت ذلك إمام الحديث أحمد بن حنبل وأمر بهجر من يجحد بتلك الحقيقة. و لذلك لمّا سأل رجلٌ الإمام أحمد بن حنبل: «ما