الصفحة 6 من 12

الله r، أو نَدَب إليها، أو فَعَلها -عليه السلام-، فتضيع ولم تبلغ إلى أحد من أمته: إما بتَوَاتُرٍ، أو بنقلِ الثقةِ عن الثقة، حتى تَبْلغَ إليه r. وأمِنَّا أيضًا قطعًا أن يكون الله تعالى يُفرِدُ بنقلها من لا تقوم الحُجَّة بنقله من العُدول. وأمِنَّا أيضًا قطعًا أن تكون شريعةٌ يخطىء فيها راويها الثقة، و لا يأتي بيانٌ جليٌّ واضحٌ بصحة خَطَئِه فيه.

ثم إذا جاز للشيخ أن يفتي بمجرد رأيه وهواه، فلماذا لا يجوز لعلماء الفيزياء والرياضيات مثلًا أن يفتوا في أمور الدين؟ فإن قال"المتعقلون"لأن علماء الرياضيات لا يعرفون شيئًا عن أصول الفقه والحديث، قلنا لهم طالما أنكم تفتون دون استنادٍ إلى كتابٍ أو سُنة، فما فائدة أصول الفقه والحديث إذًا؟ فإذا كان عندكم رأي في الدين ليس عليه دليلٌ لا من الكتاب ولا من السنة، فكل رَجُل له آراء ليس لها دليل. فإن زعمتم أن كل إنسان يحق له أن يفتي بالدين بغير علم ولا دليل، صرتم أضل الناس كلهم بنص القرآن. قال الله تعالى:] فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ. وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ (القصص:50) . وقال كذلك:] أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً؟ فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ؟ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [ (الجاثية:23) . وقد نهى الله أشدّ النهي عن اتباع من يتبع هواه، فقال:] وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [ (الكهف: من الآية28) .

اللهم علم معاوية الحساب وقه العذاب

و أخرج البخاري أيضًا بإسناد صحيح في تاريخه الكبير (5>240) و الطبراني في مسند الشاميين (1>190) : قال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن عبد الرحمن بن أبي عميرة -وكان من أصحاب النبي r- عن النبي قال: «اللهم علم معاوية الحساب و قِهِ العذاب» . و زيادة «وكان من أصحاب النبي r» عند الطبراني هي قول سعيد التنوخي كما يظهر في تالي تلخيص المتشابه (2>539) . وهذا الإسناد الصحيح سبق الكلام عنه آنفًا. وهو حديث مشهور له طرق و شواهد كثيرة مرسلة أو متصلة تقويه وتثبت أنه ليس فيه تفرد، منها:

الشاهد الأول: أخرجه الإمام أحمد في مسنده (4>127) و الطبراني في معجمه الكبير (18>251) و غيرهم من طرق عن معاوية بن صالح عن يونس بن سيف عن الحارث بن زياد عن أبي رهم السمعي عن العرباض بن سارية t قال سمعت رسول الله r وهو يدعونا إلى السحور في شهر رمضان: «هلموا إلى الغذاء المبارك» . ثم سمعته يقول «اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب» . وقد أخرج الجزء الأول منه أبو داود (2>303) والنسائي (2>79) . و الحديث كاملًا قد صححه إمام الأئمة إبن خزيمة (3>214) و ابن حبان (16>191) .

معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي: وثقه أكثرهم كأحمد و النسائي والعجلي وابن معين وابن مهدي وأبي زرعة. التهذيب (10>189) . و يونس بن سيف: ثقة بلا خلاف. تهذيب الكمال (32>510) و تهذيب التهذيب (11>387) . و الحارث بن زياد ذكره ابن حبان في الثقات. التهذيب (2>123) . و أبو رهم السمعي هو أحزاب بن أسيد: ثقة مخضرم.

قال الخلال في العلل (141) : قال مُهنّا، سألتُ أبا عبد الله (أحمد بن حنبل) عن حديث معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رُهم، عن العرباض بن سارية، قال: دعانا النبيُّ r إلى الغَداء المبارك، وسمعتُه يقول:"اللهم علّمه -يعني معاوية- الكتاب والحساب، وقِهِ العذاب". فقال (أحمد بن حنبل) : «نعم، حدّثناه عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح» . قلتُ: «إن الكوفيين لا يذكرون هذا:"علّمه الكتاب والحساب وقِهِ العذاب"، قَطَعوا منه؟» . قال أحمد: «كان عبد الرحمن لا يذكُره. ولم يذكُرْه إلا فيما بيني وبينَه» . أقول: وهذا نص عزيز، فيه بيان موقف العراقيين من التحديث بمثل هذا، ومحاولتهم كتمان الحديث لمجرد أن فيه بيان فضل لمعاوية t.

الشاهد الثاني: أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2>915) و الطبراني في معجمه الكبير (19>439) و غيرهم عن جماعة عن أبي هلال حدثنا جبلة بن عطية عن مسلمة بن مخلد -أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت