ولأهمية هذا العلم وجلالة قدره حرص عليه الحفاظ من علماء الحديث حتى صارت المسألة الواحدة من هذا العلم ذات شأن كبير ومنزلة عالية عند من يقف عليها من العلماء ، ويكون هذا العلم مقدمًا على الرواية المجردة للأحاديث يقول عبد الرحمن بن مهدي:"لأن أعرف علة حديث هو عندي ، أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثًا ليس عندي" (1) .
ونجد الواحد منهم يفرح كثيرًا عندما يوقفه غيره على علة من العلل ، وتجعله يصدر شهادة تقدير وإجلال لمن أفاده إياها فهذا الإمام مسلم بن الحجاج بعد أن أبان له البخاري علة حديث كفارة المجلس يقبل بين عينيه ويقول:"دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله" (2) .
وأصبح العلماء المتبحرون في هذا الفن مرجعًا لمن يصنف كتابًا في الحديث لأخذ الإجازة منهم فهذا الإمام مسلم مع جلالة قدره وتمكنه في هذا العلم يعرض كتابه الصحيح علي أبي زرعة الرازي يقول مسلم:"عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي ، فكل ما أشار أن له علة تركته ، وكل ما قال أنه صحيح وليس له علة خرّجته" (3) ، وذلك لأن هذا العلم له مزية خاصة فأصبح كالميزان الذي يعرف به الخطأ والصواب ، والصحيح والسقيم مما يضاف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وموت العام ثلمة لا يعرف عظمها وجلل المصاب بها إلا من يعرف أهمية العلم وقدر حامله ، يقول أبو حاتم الرازي عن أبي زرعة:"ذهب الذي كان يحسن هذا المعنى - علل الحديث - يعني أبا زرعة ، ما بقي بمصر ولا بالعراق أحد يحسن هذا" (4) .
(1) علل الحديث لابن أبي حاتم 1/9، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص 175، والجمع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب 2/250.
(2) تاريخ بغداد 13/102 ، سير أعلام النبلاء 12/432.
(3) صيانة صحيح مسلم ، لابن الصلاح ص 67 ، و شرح مقدمة صحيح مسلم للنووي 1/15، وسير أعلام النبلاء 12/568.
(4) الجرح والتعديل ، المقدمة ص 356.