خلافًا للرأي السائد، فالأبارتيد ليس فقط مجموعة من القوانين والتشريعات التي تشرعن التمييز ضد الآخرين، إنه نظام سياسي / اقتصادي واجتماعي، وهو جزء لا يتجزأ من تشكيلة اجتماعية اقتصادية محددة الملامح تسود فيها علاقات انتاج محددة.
واستنادًا إلى هذه الرؤية، اعتمدنا في بحثنا المنهج التالي: في الفصل الأول يجري التعريف بالأبارتيد كظاهرة متعينة، والقيام بمقارنات بين أبرز تجليات الأبارتيد في الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا وإسرائيل، وذلك استنادًا إلى المبدأ الفكري المعروف «أن الجوهر واحد وتجلياته مختلفة» ، وفي الوقت ذاته، إن تجليات الأبارتيد في مكان معين، لابد أن تحمل سمات الكل، وهذا يشمل، وعي الذات عند المستوطنين، النظرة إلى السكان الأصليين، طريقة التعامل معهم، ودور المؤسسات التشريعية في وضع القوانين والتشريعات اللازمة لذلك. وقد نوهنا في الوقت ذاته إلى خصوصية الأبارتيد في الكيان الصهيوني، بسبب تعقيداته وكثرة تجلياته، لأن تطبيقاته على اللاجئين تختلف نسبيًا عنها فيما يتعلق بالعرب في الأراضي المحتلة عام 1948، وأخيرًا أيضًا تختلف عن الآليات المتبعة لتنفيذه في الأراضي المحتلة عام 1967.
وفي الفصل الثاني تناولنا، وبشكل مفصل، استراتيجية الصهيونية للتخلص من الشعب العربي في فلسطين لتحقيق الأكذوبة الكبرى (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) وذلك من خلال الترحيل (الترانسفير) لأنه الوسيلة المثلى لنفي الآخر، ماديا وسياسيا، وكي يكون البحث مفيدًا، رأينا أن نستعرض في البداية تطور فكرة الترانسفير في الأيديولوجية الصهيونية منذ ما قبل مؤتمر بال 1897 إلى وقتنا الراهن، ومن ثم سلطنا الضوء على التطبيق العملي لمبدأ الترحيل، وأشرنا إلى تقاسم الأدوار بين الأطراف المختلفة في الحركة الصهيونية سابقًا، وفي إسرائيل لاحقًا للتخلص من الفلسطينين.