2ـ ... يبرز عن الاستعمار الاستيطاني حالة متطرفة من التعدد الثقافي.
هذا التحديد صحيح نسبيًا، لكن ثمة دول لا يمكن اعتبارها كيانات استعمار استيطاني ولكن يبرز فيها وبوضوح حالات من التعددية الثقافية تصل في بعض الأحيان إلى التناقض التناحري، وثمة أمثلة كثيرة على ذلك في دول الشرق الأوسط. (1)
الهجرة الاستيطانية
إن الهدف الأساسي للاستعمار الاستيطاني هو أن يتحول الاستيطان من حقيقة مادية اجتماعية / اقتصادية إلى حقيقة سياسية كيانية مستقلة عن الدولة الأم أو مرتبطة بها. ولا يمكن لموجات الهجرة إلى مركز الاستيطان أن تكتسب هذه الصيرورة إلا إذا كانت مرتبطة بقوة خارجية تنظمها وتمولها وتشرف عليها وتحدد لها أهدافها. وسنبين في فصل لاحق كيف اشرف ضباط بريطانيون على اختيار مواقع المستوطنات اليهودية في فلسطين، وكيف وفروا لها الحماية والتمويل، وبالمقابل كيف تعاونت أيضًا المنظمة اليهودية العالمية مع بريطانيا وألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية للحصول على دعم هذه الدول، بغض النظر عن الخلافات السياسية بينها حول المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين.
ومن خلال مقاربة تاريخية بسيطة يتضح لنا، أن دور المنظمة الصهيونية العالمية، والوكالة اليهودية، باعتبارها الذراع التنفيذي والمسؤولة بالشكل العملي والمباشر عن تنفيذ المشروع الاستيطاني الصهيوني، والإشراف عليه، وقيادته حتى يتحول إلى دولة، أن هذا الدور، من حيث الجوهر، لم يختلف كثيرًا عن دور الشركات الاستعمارية التي شكلتها الدول الاستعمارية في القرنين الثامن والتاسع عشر لتنفيذ مشاريعها الاستعمارية، ووفرت لها كل الدعم والحماية العسكرية، ومن بين الشركات الاستعمارية نذكر: (2)
شركة بورنيو البريطانية وتشكلت عام 1881
شركة أفريقيا الملكية للبريطانية وتشكلت عام 1888
شركة جنوب أفريقيا البريطانية وتشكلت عام 1889
شركة الهند الشرقية البريطانية.