ومنذ بداية الانتداب البريطاني على فلسطين، اعتبرت سلطات الانتداب الوكالة اليهودية دولة ضمن الدولة، ووضعت رغباتها ومصالحها على رأس سلم أولوياتها السياسية، ولم تدخر جهدًا في سبيل تسهيل استيلائها على الأراضي، سواء بالترغيب أو الترهيب أو المنح من الأراضي الأميرية التي تشرف عليها سلطات الانتداب.
والهجرة إلى مركز الاستيطان تختلف من حيث النوع والكم عن أنواع أخرى من الهجرات البشرية، فهي ليست هجرة موسمية أو مؤقتة، وليست بحثًا عن العمل أو الانتقال إلى مكان آخر للعيش فيه، بل إنها تتخذ أحيانًا شكل التهجير الإجباري، كما فعلت الحكومات البريطانية المتعاقبة التي هجرت خلال فترة 1788 و 1867 أكثر من 150 ألف مجرم إلى استراليا، وكذلك الاتفاقات التي وقعتها المنظمة الصهيونية العالمية مع ألمانيا النازية لتهجير عشرات آلاف اليهود من ألمانيا والمناطق التي احتلتها، والأساليب التي اتبعتها لجعل اليهود في روسيا، العراق، المغرب، اليمن، أثيوبية وأماكن أخرى من العالم لا يملكون خيارًا سوى الهجرة إلى فلسطين ـ واليكم بعض الأمثلة:
* في عام 1895 التقى تيودور هرتزل مع القيصر الألماني، وكتب تيودور هرتزل في مذكراته قبل اللقاء: (سأقول للقيصر: اتركونا نرحل! فنحن مختلفون عنكم، كما لا يسمح لنا بالاختلاط مع أهل هذه البلاد ولا نقدر على ذلك) وفي عام 1896 كتب هرتزل في مذكرته «إن أعظم أنصاري اليوم هو إيفان سيموني المعادي للسامية» . وعندما التقى هرتزل وزير خارجية روسيا القيصرية المعروف بعدائه الشديد للسامية، قال له هرتزل «لكم قلت للمرحوم الإمبراطور اسكندر الثالث لو استطعنا إغراق ستة ملايين يهودي في البحر الأسود لاكتملت سعادتي» لأن اليهود الباقيين سيسارعون بالهجرة إلى فلسطين حسب اعتقاد هرتزل. (1)