ومن الأدلة أيضًا:- حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - وهو حديث صحيح مشهور تلقته الأمة بالقبول واعتمدوه في استدلالاتهم بلا نكير, وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه إلى اليمن قال (( بما تحكم؟ ) )قال:- بكتاب الله, قال (( فإن لم تجد؟ ) )قال:- فبسنة رسول الله, قال (( فإن لم تجد؟ ) )قال:- أجتهد رأيي ولا آلو , أي لا أقصر, وهو عند أحمد وأبي داود والترمذي والطيالسي وقد صححه جماعة من الحفاظ أمثال أبي بكر الرازي وأبي بكر بن العربي والخطيب البغدادي وابن القيم وغيرهم ووجه الاستدلال به أن معاذًا - رضي الله عنه - أخر القياس عن النص وصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم - فدل ذلك على أن رتبة الاجتهاد والقياس بعد النص فإذا تعارض القياس والنص فتقديمه - أي تقديم القياس - على النص تقديم لما هو متأخر في الرتبة وهذا فاسد وهو المراد بقولهم:- فاسد الاعتبار .
ومنها:- قوله تعالى { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } قال ابن القيم رحمه الله تعالى:- فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به, وإما اتباع الهوى فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى ا.هـ. قلت: والقياس المصادم للنص ليس مما لم يأت به الرسول فقط بل هو مصادم لما جاء به الرسول فيدخل في الهوى من باب أولى, فأنتج ذلك أن القياس المصادم للنص من الهوى والهوى مذموم, بل وقد حكم الله بالضلال على من اتبعه, فمتبع القياس بترك النص ضال لأنه متبع للهوى وتارك للهدى .