فهرس الكتاب

الصفحة 6513 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 185

وبالجملة الآيات السّابقة على هذه الآية خالية عن ذكر المؤمنين ذكرا يوجب انعطاف الذّهن إليه حينما يلقي ضميرا يمكن عوده إليهم، وهذا هو التّفكيك المذكور، وهو مع ذلك تفكيك ممنوع لإيجابه إبهاما في البيان ينافي بلاغته.

والحقّ أنّ الضّمير في قوله: (ان تنزّل عليهم) للمنافقين- كما تقدّمت الإشارة إليه- ولا بأس بأن يسمّى تنزيل سورة لبيان حالهم وذكر مثالبهم وتوبيخهم على نفاقهم، تنزيلا للسّورة عليهم وهم في جماعة المؤمنين غير متميّزين منهم، كما عبّر بنظير التّعبير في مورد المؤمنين؛ حيث قال: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ البقرة: 231.

وقد أتى سبحانه بنظير هذا التّعبير في أهل الكتاب؛ حيث قال: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ النّساء: 153، وفي المشركين حيث حكى عنهم قولهم: وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ الإسراء: 93، وليست نسبة المنافقين- وهم في المؤمنين- إلى نزول القرآن عليهم بأبعد من نسبة المشركين وأهل الكتاب إلى نزوله عليهم، والنّزول والإنزال والتّنزيل يقبل التّعدّي ب"إلى"بعناية الانتهاء، وب"على"بعناية الاستعلاء والإتيان من العلوّ، والتّعدية بكلّ واحد منهما كثير في تعبيرات القرآن. والمراد بنزول الكتاب إلى قوم وعلى قوم تعرّضه لشؤونهم وبيانه لما ينفعهم في دنياهم وأخراهم.

وقد يجاب عن الإشكال الثّالث: بأنّ قوله تعالى:

قُلِ اسْتَهْزِؤُا دليل على أنّهم كانوا يستهزؤون بالحذر، ولم يكن من جدّ الحذر في شي ء.

وفيه أنّ الآيات الكثيرة النّازلة في سورة البقرة والنّساء وغيرها- وكلّ ذلك قبل هذه الآيات نزولا- المخرجة لكثير من خبايا قلوبهم الكاشفة عن أسرارهم، تدلّ على أنّ هذا الحذر كان منهم على حقيقته، من غير استهزاء وسخريّة.

على أنّه تعالى وصفهم في سورة"المنافقون"بمثل قوله: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ المنافقون: 4، وقال في مثل ضربه لهم وفيهم: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ البقرة: 19، وقد ذكر في الآية التّالية.

والحقّ أنّ استهزاءهم إنّما هو نفاقهم وقولهم في الظّاهر خلاف ما في باطنهم، كما يؤيّده قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ البقرة: 14.

والجواب عن الإشكال الرّابع: أنّ الشّي ء الّذي كانوا يحذرونه في الحقيقة هو ظهور نفاقهم، وانكشاف ما في قلوبهم، وإنّما كانوا يحذرون نزول السّورة لأجل ذلك، فالمحذور الّذي ذكر في صدر الآية والّذي في ذيل الآية أمر واحد، ومعنى قوله: إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ أنّه مظهر لما أخفيتموه من النّفاق ومنبئ لما في قلوبكم.

حسنين مخلوف: مظهر ما تخافونه من الفضيحة، مأخوذ من الحذر- بالكسر ويحرّك- بمعنى التّحرّز، وفعله كطرب. (325)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت