فهرس الكتاب

الصفحة 6512 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 184

لكن الآية تعبّر عن شأنهم بالحذر، ويخبر أنّهم يحذرون أن تنزّل عليهم سورة"إلخ". والحذر فيه شي ء من معنى الاحتراز والاتّقاء، ولا يتمّ ذلك إلّا بالتّوسّل إلى أسباب ووسائل تحفظ الحاذر ممّا يحذره ويحترز منه، وتصونه من شرّ مقبل إليه من ناحية ما يخافه.

ولو كان مجرّد شكّ من غير مشاهدة أثر من الآثار، وإصابة شي ء ممّا يتّقونه إيّاهم، لما صحّ الاحتراز والاتّقاء، فحذرهم يشهد أنّهم كانوا يخافون أن يقع بهم هذه المرّة نظير ما وقع بهم قبل ذلك، من جهة آيات البقرة وغيرها، فهذا هو الوجه لحذرهم دون الشّكّ والارتياب، فالمعتمد في الجواب ما قدّمناه.

وقد يجاب عن الإشكال الثّاني بأنّ"على"في قوله:

"ان تنزّل عليهم"بمعنى"في"كما في قوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ البقرة: 102، والمعنى: يحذر المنافقون أن تنزّل فيهم، أي في شأنهم، وبيان حالهم سورة تكشف عمّا في ضمائرهم.

وفيه أنّه لا بأس به لو لا قوله بعده: (تنبّؤهم بما في قلوبهم) على ما سنوضّحه.

وقد يجاب عنه بأنّ الضّمير في قوله: (عليهم) راجع إلى المؤمنين دون المنافقين، والمعنى: يحذر المنافقون أن تنزّل على المؤمنين سورة تنبّؤ المنافقين بما في قلوب المنافقين، أو تنبّؤ المؤمنين بما في قلوب المنافقين.

وردّ عليه بأنّه يستلزم تفكيك الضّمائر، ودفع بأنّ تفكيك الضّمائر غير ممنوع ولا أنّه مناف للبلاغة، إلّا إذا كان المعنى معه غير مفهوم. وربّما أيّد بعضهم هذا الجواب بأنّه ليس هاهنا تفكيك للضّمائر، فإنّه قد سبق أنّ المنافقين يحلفون للمؤمنين ليرضوهم، ثمّ وبّخهم اللّه بأنّ اللّه ورسوله أحقّ أن يرضوه إن كانوا مؤمنين. فقد بيّن هاهنا بطريقة الاستئناف أنّهم يحذرون أن تنزّل على المؤمنين سورة تنبّؤهم بما في قلوبهم فتبطل ثقتهم بهم، فأعيد الضّمير إلى المؤمنين، لأنّ سياق الكلام فيهم فلا أثر من التّفكيك.

وفيه أنّ من الواضح الّذي لا يرتاب فيه أنّ موضوع الكلام في هذه الآيات وآيات كثيرة ممّا يتّصل بها من قبل ومن بعد: هم المنافقون، والسّياق سياق الخطاب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله لا غيره، وإنّما كان خطاب المؤمنين في قوله:

يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ خطابا التفاتيّا للتّنبيه على غرض خاصّ أو مأنا إليه، ثمّ عاد الكلام إلى سياقها الأصليّ من خطاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بتبدّل خطابهم إلى خطابه، فلا معنى لقوله: إنّ سياق الكلام في المؤمنين.

ولو كان السّياق هو الّذي ذكره لكان من حقّ الكلام أن يقال: أن تنزّل عليكم سورة تنبّؤكم بما في قلوبهم، فما معنى العدول إلى ضمير الغيبة، ولم يتقدّم في سابق الكلام ذكر لهم على هذا النّعت؟

على أنّ قوله: إنّ الآية يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ بيان من طريق الاستنئاف لسبب حلفهم للمؤمنين ليرضوهم، إخراج لهذه الطّائفة من الآيات من استقلال غرضها الأصليّ الّذي بحثنا عنه في أوّل الكلام، ويختلّ بذلك ما يتراءى من فقرات الآيات من الاتّصال والارتباط.

فالآية يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ إلخ، ليست بيانا لسبب حلفهم المذكور سابقا بل استئناف مسوق لغرض آخر، يهدي إليه مجموع الآيات الإحدى عشرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت