فمن هو محمود محمد شاكر - أبو فهر-؟
والده هو محمد شاكر (توفي سنة 1929 م) شيخ أزهري كان وكيلًا للجامع الأزهر (1909 - 1912 م) ، وأمه بنت الشيخ/ هارون عبد الرزّاق (توفي سنة 1918 م) والد المحقق / عبد السلام هارون، والشيخ/ محمود محمد شاكر هو شقيق المحدث الإمام الشيخ أحمد شاكر صاحب الجهود العظيمة في خدمة السُّنة النبوية، ولا بأس من الاستطراد قليلًا في ترجمة الشيخ/ أحمد شاكر شقيق المترجم أبي فهر.
المحدِّث العلاّمة الشيخ/ أحمد محمّد شاكر:
كناه والده شمس الأئمة أبا الأشبال، ولد سنة (1892 م) ، ولما عيّن والده قاضيا للقضاة في السودان سنة (1900 م) رحل بولده معه هناك وألحقه بكلية"غوردن"- وهي كلية أسسها الإنجليز سنة (1903 م) في الخرطوم، وسميت باسم الضابط الإنجليزي"تشارلز غوردن"الذي يعرف باسم"غوردن باشا"، وكان قد قُتل في السودان لما استولى المهدي السوداني على الخرطوم سنة (1885 م) - فبقي أحمد شاكر تلميذًا بها حتى عاد أبوه من السودان، وتولى مشيخة علماء الإسكندرية سنة (1904) فألحق ولده أحمد من يومئذ بمعهد الإسكندرية الذي يتولاه، وكان لوالده أكبر الأثر في تربيته، فقد قرأ له ولإخوانه تفسير"البغوي"وتفسير"النسفي"، وقرأ لهم صحيح مسلم وسنن"الترمذي"والشمائل له وبعض صحيح البخاري، وقرأ لهم في أصول الفقه جمع الجوامع"للسّبكي"وشرح"الأسنوي"على المنهاج"للبيضاوي"وقرأ لهم في المنطق شرح"الخبيصي"على القطبيّة، وقرأ لهم في الفقه الحنفي كتاب الهداية"للمرغيناني"، وحين انتقل والده إلى القاهرة سنة 1909 م التحق أحمد شاكر بالأزهر، وهناك بدأ الطلب على يد مشايخ الأزهر وعلماء القاهرة، وفي سنة 1917 م حاز أحمد شاكر على الشهادة العالمية من الأزهر وعُيِّنَ في بعض الوظائف، ثم أصبح قاضيا سنة 1951 ثم رئيسًا للمحكمة الشرعية العليا وهي آخر وظائفه وقد كانت هذه الفترة هي فترة التقنين للتشريعات الجاهلية وتسويغها عن طريق أزلامها في الصحافة والمنتديات، فكان خلال ذلك كله يكتب المقالات والرسائل التي تهاجم هذه الرِّدة الجديدة، وقد جمعت هذه الأبحاث في كتابين له هما: (كلمة حق) و (حكم الجاهلية) .
وكان اهتمامه بالسُّنة عظيمًا حيث بدأ في تحقيق كتبها والعناية بها، فحقق كتاب الإمام العظيم / محمد بن إدريس الشافعي في أصول الفقه المسمى بـ"الرسالة"وقدم له مقدمة ضافية، ونشر كتاب (جماع العلم) وهو في الأصول كذلك، وكتاب (الخراج) ليحيى بن آدم القرشي، وخرَّج أحاديثه، واعتنى بشرح"الطحاوية لابن أبي العزِّ الحنفي"، ونشر مجلدين من سنن"الترمذي"والمجلد الأول من صحيح"ابن حبان"، والمحلى/ لابن حزم والإحكام في أصول الإحكام له، وفي سنة 1946 م شرع الشيخ - رحمه الله- في تحقيق مسند الإمام"أحمد بن حنبل"والذي لم يتم منه إلا ثلثه حيث وافته المنية قبل الإنتهاء منه، وشارك أخاه محمودًا في تحقيق تفسير"الطبري"الذي لم يتم واختصر تفسير"ابن كثير"بروح نقدية عالية سمَّاه"عمدة التفسير"... والشيخ/ محمود شاكر يعتبر أن كتاب (الطلاق في الإسلام) الذي كتبه أخوه/ محمد شاكر، هو من أفضل كتبه لما تحلى به من روح الإجتهاد وقوة الملكة الفقهية، وما زال الشيخ / أحمد شاكر يعتبر إمامًا في الحديث، وتزداد مرتبة التقدير له من المهتمين بالسُّنَّة يوما بعد يوم.
وكان لأحمد شاكر - رحمه الله تعالى- جهود في نشر كتب اللغة والأدب حيث نشر كتاب"الشعر والشعراء"لابن قتيبة و"لباب الآداب"لأسامة بن منقذ و"المعرَّب"للجواليقي، و"إصلاح المنطق"لابن السُّكيت و"الأصمعيات"و"والمفضلّيّات"، وكان يستعين في تحقيق كتب الأدب بأخيه محمود، وهذه الكتب الأخيرة شاركه فيها ابن خاله عبد السلام هارون. وفي يوم السبت 14/ 6/1958 م أتته منيته ومضى لسبيله - رحمه الله تعالى- وأسبغ عليه رحمته ورضوانه-.
وللشيخ شقيق آخر اسمه علي كان قاضيًا شرعيًا.
عودة إلى الشيخ محمود شاكر:
ولد سنة 1909 م وتلقّى أول تعليمه في مدرسة الوالدة / أم عباس في القاهرة سنة 1916 م. وبعد ثورة 1919. انتقل إلى مدرسة القربيّة بدرب الجماميز، ثم دخل المدرسة الخديوية الثانوية سنة 1921 م، ولنترك محمود شاكر يحدثنا عن هذا النظام المدرسي المسمى بـ (الأكاديمي) وكيف كانت نظرته له وما هي مشاعره عندما انتظم طالبًا في هذه المدارس.
مدارس (دنلوب) وجرائمها في حق النشء تعليمًا وتربية:
يقول -رحمه الله تعالى-: فمنذ بدأت أعقل بعض هذه الدنيا، وأرى سوادها وبياضها بعين باصرة شغلتني الكلمة وتعلق قلبي بها، لأني أدركت أول ما أدركت أن (الكلمة) هي وحدها التي تنقل إلى الأشياء التي أراها بعيني وتنقل إلي أيضًا بعض علائقها التي تربط بينها، والتي لا أطيق أن أراها بعيني .. ثم قذف بي أبي - رحمه الله- إلى المدرسة.
فلا أزال أذكر أول ساعة دخلتها، ولا أزال أذكر ذلك الرّعب الذي فض نفسي وهالني، حين صك سمعي ذلك الصوت المبهم البغيض إليّ منذ ذلك الحين، صوت الجرس! صوت مصلصل مؤذي، جاف، أبكم، أعجم لا معنى له، وإذا هو غل يطوقني ويشلّ إرادتي، رنين منكر سري بالفزع في نفسي، وردد الوجيب الوخاز في قلبي، كدت أكره المدرسة من يومئذ من جرّاء هذا الجرس الأعجمي الخبيث ... هكذا أخذني أول البلاء، ثم زاد وربا حين ساقونا إلى الفصول كالقطيع صفوفًا، ولكن لم يلبث فزعي أن تبدد بعد أن دخلنا الفصل، واستقر بنا الجلوس، ثم بدأ الدرس الأول على الرِّيق، وهو درس اللغة الإنجليزية! ونسيت كلّ ما نالني حين سمعت هذه الحروف الغربية النطق التي لم آلفها، وفتنتني وغلبني الاهتمام بها، وجعلت أسارع في ترديدها وحفظها. اغتالت هذه الحروف الجديدة وكلماتها كلّ همّتي، اغتالتها بالفرح المشوب بطيش الطفولة، وكان حبُّ الجديد الذي لم آلفه قد بزّ حسن الانتباه إلى القديم الذي ألفته منذ ولدت، فقلَّ انتباهي إلى لغتي العربية، قصر انتباهي إليها، بل لعلي استثقلتها يومئذ وكدت أنفر منها، وكذلك صرت في العربية ضعيفًا جدًا، لا أكاد اجتاز امتحانها إلا على عسر، وعلى شفى، وهكذا أنفذَ (دنلوب) ا للعين أول سهامه في قلبي من حيث لا أشعر، ودرجت على ذلك أربع سنوات في التعليم الإبتدائي، ولبلاء يطغى علي عاما بعد عام، ولكن كان من رحمة الله بي أن أدركتني ثورة مصر في سنة 1919 م وأنا يومئذ في السنة الثالثة، فلما كانت السنة الرابعة سقطت في امتحان - الشهادة الإبتدائية - ... وصنع الله حيث سقطت، وأحسن بي إذ ملأ قلبي مللًا من الدروس المعادة، واتسع الوقت فصرت حرًا أذهب حيث يذهب الكبار إلى الأزهر، حيث أسمع خطب الثوار، وأدخل"رواق السنارية"وغيره بلا حرج، وفي هذا الرواق سمعت أول ما سمعت مطارحة الشعر، وأنا لا أدري ما الشعر إلا قليلًا، وكتب الله لي الخير على يد أحد أبناء خالي ممن كان يومئذ مشتغلًا بالأدب والشعر، فأراد يوما أن يتخذني وسيلة إلى شيء يريده من عمته، التي هي أمي - رحمها الله-، فأبيت إلا أن يعطيني هذا الديوان الذي سمعتهم يقرؤون شعره ويتناشدونه، وقد كان، فأعطاني ديوان المتنبي بشرح الشيخ"اليازجي"، وكان مشكولًا مضبوطًا جيد الورق، فلم أكد أظفر به حتى جعلته وردي، في ليلي ونهاري، حتى حفظته يومئذ، وكأن عينًا دفينة في أعماق نفسي قد تفجرت من تحت أطباق الجمود الجاثم، وطفقت أنغام الشعر العربي تتردد في جوانحي، وكأني لم أ جهلها قط، وعادت الكلمة العربية إلى مكانها في نفسي.
وما قاله الشيخ هو تصوير لواقع التعليم في بلادنا المنكوبة بسياسة زنادقة همهم نزع مقومات وجودنا، وخصائص هويتنا، حتى ينشأ جيل مبتورٌ عن تاريخه ودينه، وإن أقصر الطرق لهذه الجريمة البشعة هو حرف الناس عن العربية والتي هي وعاء هذا الوجود وحامية هذه الهوية، وبدونها لن يكون إحساس المسلم بدينه ولن يدرك تاريخه كما هو، وهذا هو واقع من اضطلع في آداب الغير وانتهج سبل علومهم في البحث والدراسة، رأيناه من أشد الناس نقمة على هذا الدين، وإذا بحث فيه فإنه يزوره ويكذب عليه ولا يخرج منه بالهداية التي هي معقد هذا الدين ولبه وحقيقته.
ثم بين الشيخ أن هذا الإحساس بالكلمة العربية لم يزحزح شيئًا من الكلمة الإنجليزية التي غرسها"دنلوب"اللعين في غضارة الفتى اللَّيِّن، ثم ازداد إحساسه في الرياضيات كمنافس جديد في نفسه، فآثره محمود شاكر على غيره، ولأجل ذلك التحق بالقسم العلمي ونال درجة البكالوريا سنة 1925 م.
تتلمذ الشيخ على أئمة الأدب ...
وفي أثناء ذلك اتصلت أسباب محمود شاكر بأسباب اثنين من كبار العلم بالأدب هما:- سيد بن علي المرصفي، ومصطفى صادق الرّافعي، والمرصفي إمام من أئمة العربية في زمانه، وحامل أمانتها، كان من جماعة كبار العلماء في الأزهر، وتولى تدريس العربية فيه إلى أن نالت منه الشيخوخة، وكسرت ساقه فاعتكف بمنزله بالقاهرة يدرِّس طلابه الذين كانوا يقصدونه إلى أن توفي (سنة 1931 م) . وقد انتفع به الكثير من الأدباء والنقاد والمفكرين كأحمد حسن الزّيّات، وحسن السندوبي، وأحمد محمد شاكر وعلي الجارم، وعبد الرحمن البرقوقي وهو صاحب كتاب"رغبة الآمل في كتاب الكامل"و"أسرار الحماسة"، ففي سنة 1922 م اتصل محمود شاكر بالمرصفي، فحضر دروسه التي كان يلقيها بعد الظهر في جامع السلطان برقوق، ثم قرأ عليه في بيته"الكامل"للمبرد و"الحماسة"لأبي تمام وشيئا من"الأمالي"لأبي علي القالي، وبعض أشعار الهذليين.
أما الرافعي (1881 - 1937 م) فهو من هو، وصفه شاكر بقوله: -"الرافعي"كاتب حبيب إلى القلب، تتنازعه إليه أسباب كثيرة من أخوّة في الله، ومن صداقة في الحبّ، ومن مذهب متفق في الروح، ومن نية معروفة في الفن، ومن إعجاب قائم بالبيان .."وقال عنه في رسالة وجهها إليه أنه: ملجأ يعتصم به المؤمنون حين تناوشهم ذئاب الزندقة الأدبية التي جعلت همها أن تلغ ولوغها في"البيان القرآني" .. وقد قويت الصلة بينهما جدًا حتى قال شاكر عن"الرافعي"بعد وفاته في مقدمة كتاب "حياة الرافعي"إنه صار: ميراثًا نتوارثه، وأدبًا نتدارسه، وحنانًا نأوي إليه."
وبعد انتهاء البكالوريا التحق شاكر بالجامعة كما تقدم في كلية الآداب- قسم اللغة العربية- وهناك كانت البداية في معركته التي عاشها إلى يوم وفاته، معركته ضد أعداء الأمة، وكانت ساحة هذه المعركة هي ساحة اللغة والثقافة والأدب، فإنه بعد أن اكتشف أمر أستاذه وسقطت هيبة الجامعة من نفس الفتى قرر تركها وراءه غير آسف، قد حاول أساتذة ثنيه، ولكن صلابة الفتى أبت إلا الفراق، فكان له.
وفي سنة 1928 م شدّ الرحال إلى الحجاز، وهناك أنشأ مدرسة (جدة) وعمل مديرًا لها ولكن بعد سنتين عاد إلى القاهرة.
وخلال المدة (1929 - 1935 م) كان شاكر يعيش في شبه عزلة أعاد خلالها قراءة التراث طلبًا لليقين في قضايا كثيرة، وكانت قضية الشعر الجاهلي تستبد بمعظم اهتمامه فأجاز لنفسه أن يسمي هذه المرحلة من حياته بـ (محنة الشعر الجاهلي) ، وخلال هذه الفترة كان يكتب بعض المقالات في الصحف والمجلات، وقد وصف معاناته في تلك الأيام أنها كانت (تطغى كالسيل الجارف يهدم السدود ويقوض كل قائم في نفسي وفي فطرتي) .
تأليف كتاب"المتنبي"...
سنة 1935 م انتدبته مجلة (المقتطف - لصاحبها فؤاد صرّوف- إلى كتابه كلمة عن"المتنبي"في الذكرى الألف لوفاته، فلبّى شاكر الدعوة، وتم الإتفاق على أن تكون الكلمة ما بين عشرين إلى ثلاثين صفحة من صفحات المقتطف، وقد وصف هذه التجربة في المقدمة الجديدة لكتابه"المتنبي"وأفاض فيها .. كما ذكر أنه مزّق ما كتب عدة مرات لعدم اقتناعه بما كتب حتى استقر على اكتشاف في شخصية المتنبي.
وقد استخدم في كتابه هذا كلّ أدواته الإبداعية، ومارس قدرته النقديّة والبحثية في دراسة المتنبي بصورة لم يسبق إليها، وهو الفن الذي سماه بالتذوق، وانتهى إلى نتائج لم يقل بها أحد قبله منها:_
1 -القول بعلوية المتنبي وهي التي تم اكتشافها بعد ذلك من خلال المخطوطات التي ترجمت له.
2 -اكتشافه حبّ المتنبي لـ"خولة"أخت سيف الدولة"الحمداني".
وقد عمد شاكر إلى الدخول في النصوص الشعرية ودراستها دراسة تحليلية من داخلها للوصول إلى هذه النتائج، وهو الأمر الذي يخالف منهج الكثيرين في اعتماد الأخبار فقط لمعرفة نفسية الشخصية وما يحيط بها من ظروف.
وهذا الأمر هو الذي ميّز شاكر في اعتماده للمبدأ العلمي والذي سماه (التذوق) ، ويعني به فيما يعني الغوص في كلام القائل وتحليله للخروج بالنتائج المطلوبة.
وبكتابه هذا نشأت معركة جديدة بينه وبين الآخرين، خاصة بينه وبين طه حسين بعد سنتين من صدوره إذ أخرج هذا الأخير كتابا سماه"مع المتنبي"واندلعت هذه المعركة في مجلة البلاغ تحت عنوان (بيني وبين طه) بيّن فيها شاكر (عدم بصر) طه حسين بالشعر وبسطوه على بعض ما قاله شاكر في الشّك حول والد المتنبي سطوًا فجًا قبيحًا .. وبلغت اثنتي عشرة مقالة حتّى جاءه نعي أستاذه وصديقه"مصطفى صادق الرافعي" (1937 م) (فانهدم في نفسي كلّ ما كان قائمًا، وذهب الدكتور"طه"وكتابه جميعًا من نفسي تحت الهدم فـ:-
ليت الحوادث باعتني الذي أخذت مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي
في سنة 1940 م شرع الشيخ شاكر في قراءة التراث وشرحه، فنشر كتاب"إمتاع الأسماع بما للرسول - صلى الله عليه وسلم- من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع"للمقريزي، و"المكافأة وحسن العقبى"لأحمد بن يوسف بن الداية الكاتب، وفي هذه السنة عهد صاحب"الرسالة"أحمد حسن الزيات إلى شاكر بتحرير باب"الأدب في أسبوع"، فأجاب إلى ذلك وكتب طائفة من التعقيبات والتعليقات .. وفي هذه الفترة ألف الشعر ومنه قصيدته"تحت الليل"التي قال فيها:-
أهيم وقلبي هائمٌ وحشاشتي تهيمُ فهل يبقى الشّقي المبعثرُ؟
لئن أبقت الآمال مني لطالما تقلّبتُ في آلامِها أتضوّر
تنازعني من كلِّ وجه ساحر يمثل لي إقبالها ويصور
فيهوى لها بعضي، وبعضي موثق بأشواقه الأخرى إلى حيث تنظر
ومن شعره كذلك:
ذكرتك بين ثنايا السطور وأضمرت قلبي بين الألم
ولستُ أبوح بما قد كتمت ولو حزَّ في نفسي حدّ الألم
فكم كتم اللَّيل من سرنا وفي اللِّيلِ أسرارُ من قد كتم
القوس العذراء ...
وفي سنة 1952 م نشر الشيخ/ محمود شاكر قصيدته الرائعة (القوس العذراء) وهي قصيدة طويلة تبلغ مائتين وثمانين بيتًا استلهمها من قصيدة الشماخ- رضي الله عنه- التي مطلعها:
عفا نطن قوٍّ من سليمى فغالز فذات الغضا فالمشرفات النوافز
والشماخ هو ابن ضرار الغطفاني، شاعر فحل، صحابي، أدرك الجاهلية ثم أسلم، كان أعورًا، وعلى عوره كان وصّافًا، أجاد وصف الحمر الوحشية، غزا في فتوح عمر - رضي الله عنه، وشهد القادسية ثم غزا أذر بيجان مع سعيد بن العاص، فاستشهد في غزوة موقان سنة أربع وعشرين من الهجرة في عهد عثمان - رضي الله عنهما-
وفي زائيّته التي نسج الشيخ/ شاكر على منوالها، وصف الشماخ قصّة قوّاس صنع قوسا فأتقنها حتى كانت رميتها لا تخيب، ثّم اضطره فقره إلى بيعها، فأخذ الشيخ شاكر هذه القصة ونسج عليها رائعة من روائع الشعر المعاصر .. جعلها واسطة بينه وبين صديق له لم تبلو مودته وصداقته:
فدع الشماخ ينبئك عن قوَّاسها البائس من حيث أتاها
أين كانت في ضمير الغيب من غيلٍ نماها؟
كيف شقت عينه الحجب إليها فاجتباها؟
كيف ينغل إليها في حشا عيصٍ وقاها؟
كيف أنحا نحوها مبراته، حتى اختلاها؟
كيف قرت في يديه واطمأنت لفتاها؟
كيف يستودعها الشمس عامين تراه ويراها؟
وفي هذه القصيدة القصصية استودع شاكر نظرته للحياة، وبيّن فيها صراع العاطفة مع العقل، وكيف يهزم المال الحب؟، وكيف يتحطم المثال على صخرة الواقع .. وشاكر في هذه القصيدة كأنه يبرر لنفسه ما أصابه من اضطراب بين مواقفه الجريئة الواضحة وبين ما كان يقع فيه من أعمال لا تستقيم مع رؤاه:-
وفاضت دموع كمثل الحميم لذاعة نارها تستهل
بكاء من الجمر، جمر القلوب، أرسلها لاعج من خيل
وغامت بعينيه واستنزفت دم القلب يهطل فيما هطل
وخانقة ذبحت صوته وهيض اللّسان لها واعتقل
وأغضى على ذلّة مطرقا عليه من الهم مثل الجبل
أقام وما أن به من حراك تخاذل أعضاؤه كالأشل
ولكن الشيخ يختم قصيدته بالأمل وبوجوب ترك اليأس بعد السقوط على خلاف ختم الشماخ قصيدته:_
أفق يا خليلي أفق لا تكن حليف الهموم صريع العلل
فهذا الزمان وهذي الحياة علمتنيها قديما .. دول!!
أفق لا فقدتك ماذا دهاك؟ تمتع! تمتع بها لا تُبَل
بصنع يديك تراني لديك، في قدِّ أختي! ونِعْمَ البدل
صدقت! صدقت! وأين الشّباب؟ وأين الولوع؟ وأين الأمل؟
صدقت! صدقت!! نعم صدقتُ! سِرُّ يديك كأن لم يزل
حباك به فاطر النّيرات، وباري النّبات، ومرسي الجبل
فقم واستهِلّ، وسبّح له! ولبَّ لرب تعالى وجل
كانت هذه القصيدة وما زالت صفعة في وجه الراحلين عن ثقافتنا وتراثنا، مصعرين خدودهم باحتقار وازدراء، موجهين هاماتهم نحو اليونان والرومان لا يعرفون إلا الأساطير الوثنية، ولا يتمثلون إلا الصور الشِّركية لآلهتهم النجسة، لقد كانت هذه القصيدة وما زالت محطمة للحواجز الوهمية التي يزعمها أهل الصّغار في عدم فهمهم للتراث وعدم استيعابهم له، فها هو الشيخ/ شاكر يقتحم أكثر الحصون مناعة في الشعر الجاهلي، شعر الشماخ الذي قيل فيه:- (كان شديد متون الشعر، أشد أسر كلام من لبيد وفيه كزازة) واستخرج منه شاكر هذه اللؤلؤة الصافية، يستخدمها ليبث روحه فيها، ويجللها بمضمون فلسفي رائع، يكشف بها عن نفسه وعن آرائه وقدراته، ولذلك وقف النقاد وقفة احترام وتقدير لهذه القصيدة، وكثرت الدراسات حولها، ومن هؤلاء النقاد: الدكتور إحسان عباس، والدكتور مصطفي هدّارة، وزكي نجيب محفوظ، ومحمد محمد أبي موسى ..
يقول الدكتور إحسان عباس عنها: -"ليست في محاولة الإبتكار بقدر ما هي في العودة إلى التراث، وربط الحاضر بالماضي، وإيداع القوة الرمزية فيما يبدو بسيطا ساذجًا لأول وهله. وفي ذلك كله نوع من الإبداع جديد، وبرهان ساطع على أن تطلب الرموز في الأساطير الغربية عن التراث يدل على جهل به، أو على استسهال لاستخدام رموز جاهزة أو عليهما معًا."
وفي سنة 1952 م كذلك، نشر الشيخ/ محمود شاكر كتاب"طبقات فحول الشعراء"وانشغل فيه بتحقيق تفسير الإمام الطبري"جامع البيان وتأويل القرآن"، والذي شاركه فيه أخوه أحمد، فنشر منه ثلاثة عشر مجلدًا، ولكن بعد وفاة أخيه تقاعس الشيخ محمود عن العمل في هذا التفسير حيث أنه خلال ثلاثة عشر عامًا بعد وفاة شقيقه لم ينشر سوى ثلاثة مجلدات ثم ترك العمل لخلاف حصل بينه وبين دار المعارف التي تولت نشر الكتاب.
وفي سنة 1958 م كتب شاكر فصلًا في إعجاز القرآن كان مقدمة لكتاب مالك بن نبي"الظاهرة القرآنية"ونشر هذا الفصل في كتاب مستقل"مداخل إعجاز القرآن". الشيخ في سجن عبد الناصر ...
وفي سنة 1959 م سُجِنَ الشيخ تسعة أشهر مع إخوانه وذلك عندما تعرض الإسلاميون للمحنة الأولى في صدامهم مع الهالك عبد الناصر .. وكان سبب سجنه - رحمه الله- وقوته ضد ممارسات العسكريين الذين استلموا الحكم بعد انقلاب 1952 م. وفي سنة 1962 نشر الجزء الأول من"جمهرة نسب قريش"للزبير بن بكّار.
معركة"أباطيل وأسمار"وسجن الشّيخ مرّة أخرى:
في سنة 1964 بدأ لويس عوض - الذي عُيِّنَ مستشارًا ثقافيًا لجريدة الأهرام - ينشر مقالات تحت عنوان: (على هامش الغفران- شيء من التاريخ) مزج في مقالاته خبث الطويّة التي كان مبناها على نصرانية الأصل، وتربيته في الغرب، مع جهل بتاريخ الأمة ولغتها، فاشتعلت حمية الشيخ /محمود شاكر لمّا رأى:-
كشيش أفعى أجمعت لعضٍّ فهي تحك بعضها ببعض
وإذا هو أسود سالخ (وهو أقتل ما يكون من الحيّات) يمشي بين الألفاظ فيسمع لجلده حفيف، ولأنيابه جرش، فما زلت أنحدر مع الأسطر والصوت يعلو، يخالطه فحيح، ثمّ ضباج، ثم صفير، ثم نباح (وكلها من أصوات الأفاعي) .. بهذا قرر الشيخ أن يترك عزلته عن الكتابة، ويمسح عن قلمه الصدأ الذي أصابه، ويخرج وقد لبس لأمته ليكشف ما يقوم به المزورة لتاريخنا، الداعون إلى تحطيم مقومات هويتنا، فبدأ بنقض ما يقوله لويس عوض، وقام بكشف جهله وجهل جماعته بآداب هذه الأمة، وصال فيهم بثقة اكتسبها من إدراكه العميق لهذه الثقافة، ومن ثقته بهذا الدين، وأرجع هجومهم على هذه الثقافة على أصولها، وأنها هجوم على دين الله تعالى، فربط بين لويس عوض وبين سلامة موسى وبين دوائر الاستشراق التي تربّي أمثالهما على عينها، ثم تخرجهم وقد تبوؤا على مراكز القرار، فعاثوا في الأمة الفساد، وقوضوا أبنيتها الشامخة بألاعيبهم وأكاذيبهم، والشيخ وإن اتخذ لويس عوض نموذجا فإنما أراد بمقالاته التي سمّاها"أباطيل وأسمار"أن يكشف عن جيل كامل حمل معاول الهدم والتدمير، ورضي لنفسه أن يكون تابعًا لدوائر التبشير والإستشراق.
في مقالاته"أباطيل وأسمار"صنع الشيخ/ شاكر ملحمة فكرية رائعة أبان فيها عن قضية المنهج الذي أفسده هؤلاء فقال:-
ولفظ (المنهج) كما سيأتي يحتاج مني إلى بعض الإبانة، وإن كنت لا أريد به الآن ما اصطلح عليه المتكلمون في مثل هذا الشأن، بل أريد به (ما قبل المنهج) أي الأساس في تناول المادة، وشطر في معالجة التطبيق.
وتعد كتب الشيخ نموذجًا لتطبيق هذا المنهج بكل أمانة وقوّة.
والعظيم في الأمر أن الشيخ جعل كلّ ذلك من أجل الدين، وجعلها معركة له وتحت رايته ..
قال الشيخ واصفًا حال هذه الفترة في عرضه لكتابه:- وقد بدأت أكتب هذه الكلمات بعد عزلة ارتضيتها لنفسي منذ سنين لأني خشيت أن لا أقوم بحق القلم عليّ وبحق الناس عليه، فوجئت بأشياء كنت أراها هينة لا خطر لها، فاستبان لي بعد قليل من مذاكرة أصحابي أن الأمر أهول مما ظننت، فمن أجل ذلك فارقت عزلتي، وبدأت حريصًا على أن لا أخون حق القلم عليّ، ولا حق الناس عليه.
ونعم، لم أكن غافلًا عما يجري من حولي بل كنت مصروفا عن متابعة بعض الحوادث والنوابت، وعن تعليقها بأسبابها، وعن اتباعها بنتائجها، إذ كنت امرءًا ملولًا، وهو مما قضى الله أن أكونه، يسرع إليّ المللُ فأطرح شيئًا كثيرًا أعلم عن أصحابه من السخف ما أعلم، فلا أقرأه ولا ألقي إليه بالا. فمن ذلك ما كان يكتبه"أجاكس عوض"، الذي كان يُعرف، فيما غَبَر، باسم"لويس عوض".
كان من سوالف الأقضية أن كتب الله عليّ يوما ما: أن أقرأ له شيئا سماه"بلوتولند"، وقصائد أخرى وكتب تحته"من شعر الخاصة"وأهداه إلى"كريستوفر سكيف"وذلك في 1947 من الميلاد. ولما كنت أعلم حَبْءَ"سكيف"هذا، وأنه كان أستاذًا في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأنه كان جاسوسًا محترفًا في وزارة الاستعمار البريطانية، وأنه كان أيضًا مبشرًا ثقافيًا شديد الصفاقة سيء الأدب، وأنه كان ماكرًا خبيثًا خسيس الطباع، وأنه كان يفرق بين طلبة القسم الإنجليزي في الجامعة: يمدّ يدًا إلى هذا، لأنه تابع له حاطب في هواه، وينفض يده من ذاك، لأنه يعتصم ببعض ما يعتصم به المخلصون لدينهم ووطنهم، حميّة وأنفة، واستنكافًا أن يضع في عنقه غُلًا للسيادة البريطانية، وللثقافة التبشيرية المسيحية. وكنت أعلم فوق ذلك، أنه"شرلتان"عريض الدعوى، لا يستحق أن يكون أستاذًا في جامعة، ولكن سياة بريطانيا كانت يومئذ هي الغالبة، وكانت كلمتها هي النافذة. فأصبح سرّ"أجاكس عوض"مفضوحًا عندي، بإهدائه"بلوتولند، وقصائد أخرى"إلى هذا الجاسوس المحترف، والمبشر الثقافي الصفيق، و"الشرلتان"الذي صار أستاذًا في الجامعة،"كريستوفر سكيف"!.
لم يمنعني ذلك من الإقدام على قراءة الكتاب، فإذا أوله هذا العنوان"حطموا عمود الشعر"! وتحته مباشرة هذا الكلام:"لقد مات الشعر العربي، مات عام 1933، مات بموت أحمد شوقي، مات ميتة الأبد، مات".. فتوقفت دهشة، ولم يخامرني شك في أن كاتب هذا داخل فيما يسميه الأطباء:"مانياهلو سينارتوريا"، وهو الهذيان والوسوسة واختلاط العقل. وقلت: ط حاله لُطف"! ومضيت أقرأ هذه المقدمة مشتاقا، لكي أُسَرِّي عن نفسي وكانت أيامنا يومئذ جالبة للغم. وصدق ظني فضحكت ولم أبال بما وجدت فيه من بغض شديد للعرب، ومن حقد آكل على دينهم وكتابهم، ومن غرور فاجر وسوء أدب. ولم اعبأ بالرائحة الخبيثة التي تفوح من تحت ألفاظه، فقد كنت ألفتُ أن أجد ذفرها حين ألقى جماعات المبشرين في ثيابهم المختلفة، حين يستخْفون فيها وحين يستعلنون. وقنعت بما سرَّى عني الهموم من هذيانه ووسوسته واختلاطه، وأنزلت أقواله وأحقاده حيث نزل، إذ كان يومئذ شيئًا مغمورًا لا يُؤبَهُ له."
وقد كشف شاكر جهل عوض باللغة العربية، وأنه ومن هم على شاكلته لا يحسنون قراءة التراث ولا يفهمون من ثقافة الأمة شيئًا، بل كشف سوء نواياهم وارتباطهم بالأجنبي، وقد اعترف أنه لا يكشف لويس عوض بمقدار أن يكشف هجمة عاتية على هذه الأمة، لتبصر الأمة حقيقة ما يراد بها من هؤلاء الكتبة .. اقرأ ما يقوله عن لويس عوض:
"إن تكن هذه عجيبة فلويس عوض أعجب منها! فقد ملأه مالئه منذ دهر ثمّ تركه، وضبطه له إلى أهدافه بعينها ثم أطلقه فانطلق يجوس خلال الآداب عامَّة، ثم الآداب العربية خاصة، وهو لا يكاد يرى إلا ما ركب لأجله: لا يكاد يرى إلا اليونان والرّوم، والقرون الوسطى والمثقفين والحضارة الحديثة، والحروب الصليبية والصلبان والخلاص، والفداء، والخطيئة، وكسر رقبة البلاغة، وكسر عمود الشعر العربي، واللغة العامية، والفتح الإنجيلزي لمصر سنة 1882، وما شئت من أمثال ذلك مما ضمنّه كتبه ومقالاته قديمًا وحديثًا."
فهذا التركيب الموجَّه (!!) لا يكاد يرى ابن خلدون إلا مقرونا باورسيوس ولا المعرِّي إلا مقرونًا براهب دير الفاروس وبالحروب الصليبية والصلبان التي غصّت بها حلب (!!) ولا"وردة الدهان"وهي آيات العذاب يوم القيامة، إلا مقرونة بروزا مستيكا (مريم العذراء) ، ومعاذ الله، وبرَّأها مما في عقله من السمادير ولا يكاد يرى عمر مكرم وعرابي وجمال عبد الناصر إلا مقرونين بالمعلم يعقوب رئيس الخونة المظاهرين للفرنسيين الغزاة أيام نابليون ولا توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وصلاح عبد الصبور، إلا مقرونين بعقائد الخلاص والفداء والخطيئة. ثم تأتي الطامة الكبرى، فلا يكاد يرى القرآن العظيم إلا مقرونًا بترجمته إلى اللغة العامية، كما تُرجِم الإنجيل إلى اللغات الحديثة وهي عامية اللاتينية، وإلا مقرنًا بكسر رقبة البلاغة، وكسر عمود الشعر العربي. وهنا وهناك تراه طائشًا، زائغ العينين خفيف العقل سليط اللسان، قد استرخت مفاصل عقله، وانحلت تلافيفه. هذا، والذي أطلقه واقف من بعيد ينظر، وفي عينيه الدهشة ويحك ذقنه بيده، ويفتر ثغرة عن ابتسام، إعجابًا باختراعه المدهش الذي ركّبه وأطلقه، ولم يكن يظن ظنًا أنه قادر على أن يتحرك في عمود واحد من إحدى الصحف السرية!! ف إذا به (يبرطع) في ثمانية أعمدة، في أكبر صحيفة في العالم العربي والإسلامي، هي الأهرام، وعلى أشرف منصة في معهد الدراسات العليا التابع للجامعة العربية ويأتي في خلال
"برطعته" (وهي البلتعة بالفصحى) بالعجائب التي لا تنقضي س، وقد ارتدى طيلسان أستاذ جامعي، بلا حسيب ولا رقيب. وهذا نجاح مدهش ولا شك وحق لمالئه أن يميد به الغرور وتستخفه الخُيلاء باختراعه هذا العجيب! فهذه هي الفضيحة التي لا تنكر للإختراع المسجل (لويس عوض) !.
ثم كشف الشيخ/ شاكر في كتابه أصل المسألة الخبيثة وهي الدعوة إلى العامية، وأرجعها إلى أصولها التي خرجت منها- دوائر التبشير والإستشراق"-، وكشف عن اهتمام هؤلاء القوم بالصحافة لأهميتها ... ونقل عن المبشر - رولس كاش- قوله:- إن الصحافة لا توجه الرأي العام فقط أن تهيئة لقبول ما ينشر عليه، بل هي تخلق الرأي العام .. (يقول الشيخ:- فتأمل هذه العبارة تأملًا جيدًا) .."
وقد استغل المبشرون الصحافة المصرية على الأخص للتعبير عن الآراء المسيحية أكثر مما استطاعوا في أي بلد إسلامي آخر .. يقول الشيخ: تأمل هذا أيضًا.