فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 12

لقد ظهرت مقالات كثيرة في عدد من الصحف المصرية إما مأجورة في أكثر الأحيان أو بلا أجرة في أحيان نادرة ..

واكتشف الشيخ أمر التعليم وما صار إليه بذكر أقوال دهاقنة الكفر مثل قول"زويمر": ينبغي للمبشرين أن لا يغيظوا إذا رأوا نتيجة تبشيرهم للمسلمين ضعيفة، إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوروبيين وتحرير النساء.

ومثل قول المبشر"تكلي": يجب أن نشجع إنشاء المدارس وأن نشجع على الأخص التعليم الغربي، إن كثيرين من المسلمين قد زُعْزِعَ اعتقادهم حينما تعلموا اللغة الإنجليزية، إن الكتب المدرسية الغربية تجعل الإعتقاد بكتاب شرقي مقدس أمرًا صعبًا جدًا ..

يعلق الشيخ قائلًا: وهذا واضح كل الوضوح في أن أمر التعليم على الصورة التي أرادوها والتي أرادها"دنلوب"وأمثاله هي نزع اعتقاد الشباب المسلم في كتاب الله الذي أنزله على نبيه - صلى الله لعيه وسلم-، والذي عبّر عنه"وليام جيفرد بلغراف"بقوله: متى توارى القرآن، ومدينة مكة من بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربية يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه ..

(وخسئ المبشر التالف) . ثم كشف الشيخ شاكر كيف استأجر هؤلاء المبشرون جماعة من الكتبة الذين يتسمون بأسماء إسلامية لتمرير مخططاتهم وأفكارهم ومناهجهم، ومن هؤلاء الدكتور/ محمد أحمد خلف الله.

وبين الشيخ أن النصارى القبط هم من أعان المستعمرين على تمرير مخططاتهم في هذه الأمة، ورد في كتابه على من سمّى تطبيق الحدود وحشية وذلك في مقالته الثامنة عشرة من الكتاب.

ومن فصول الكتاب الرائع شرحه لكلمة"دين"وذلك في المقالة الرابعة والعشرين، وكشف فيها عن خطأ الناس القاصر في فهمهم لهذه الكلمة.

ومن مقالات الكتاب القيمة ما كشف فيها الشيخ عن جهل هؤلاء الكتبة المستأجرين بلغة أساتذتهم وأئمتهم عن الغرب، فإنه في المقالة الخامسة والعشرين بين فيها جهل لويس عوض لترجمته مسرحية"أرسطو فان"والتي عنوانها الضفادع وهي المقالة الأخيرة في الكتاب حيث توقفت المقالات، فإنه بعدها وفي آب سنة 1965:(أحاطت بي الأسوار وأظلمت الدنيا، وسمعت ورأيت وفزعت وتقززت ... وكان ما كان ..

وعلمت، حتى ما أُسائل واحدًا عن علم واحدة لكي ازدادها

وتسليت عن كل ما ألقي إلي بقول شيخ المعرة ..

يسوسون الناس بغير عقل فينفذ أمرهم ويقال ساسة

فأفًّ من الحياة وأُفُّ منِّي ومن زمن رئاسته خساسة)

ذلك أن الشيخ سيق إلى السجن مرة ثانية، فقد تكالب عليه الخصوم، وراحوا يتهمونه أنه يدعو إلى فتنة طائفية دينية"ونعمت التهمة"، فاستجابت السلطة لهم وتم سجنه وبقي فيه سنتين وشيئًا حتى كانت جريمة حزيران عام 1967 م.

وقد شهد له إخوانه أنه كان في السجن مثالًا للصبر على كبر سنِّه ومرضه ن وكان كذلك سمح الروح واسع الصدر، وقد طُلِبَ منه أن يعتذر كما كتب ليفرج عنه، فرفض أشد الرفض.

الوحدة الموضوعيِّة للقصيدة في الشعر الجاهلي:

وبعد خروج الشيخ من السجن عاد مرة ثانية إلى دراسة الشِّعر الجاهلي، فكتب مجموعة من المقالات تحت عنوان:-"نمط صعب ونمط مخيف"وذلك على صفحات مجلة"المجلة"في الفترة (1969 - 1970) ، وفي هذه المقالات قام الشيخ/ شاكر بدراسة قصيدة ابن أخت تأبط شرًا التي مطلعها:

إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلا دمه ما يطل

قذف العبء عليَّ وولَّى ن فأنا بالعبء له مستقلُّ

ووراء الثَّأرِ منّي ابن أخت، مصِعٌ عقدته ما تُحلُّ

مطرق يرشح موتًا، كما أطرق أفعى، ينفث السّمّ صلُّ

خبر ما نابنا مصمئلّ! جلّ حتى دقَّ فيه الأجلُّ

وسبب دراسته لهذه القصيدة أن (يحيى حقي) أشاد بترجمة (جوته) لهذه القصيدة وزعم حقي أن القصيدة الجاهلية تفتقر للوحدة الموضوعيّة ..

قام الشيخ بالكشف عن قائلها لاختلاف الرواة في تعيينه، ونفى أن تكون لتأبط شرًا أو الشّنفري، وجزم أنها لابن أخب تأبط شرًّا، وحقَّق القول في زمن إنشادها وأن ابن أخت تأبط شرَّا أنشدها بعد أن ثأر لخاله من هذيل، ثم رتَّب الشيخ القصيدة ترتيبا جديدا، وهي مواصلة له لتأكيد صحة نسبة الشعر الجاهلي، وهي المسألة التي بقيت هاجسة إلى آخر أيّامه، فإنه اعتبرها قضيته التي أحس بها وهو طالب عند الشيخ المرصفي، ثم عانى منها ما عانى بعد أن تفجرت هذه القضية على يد طه حسين.

وكان الشيخ شاكر - رحمه الله تعالى- يعتبر أن القضيّة الأولى لإعادة الإعتبار للقصيدة الجاهلية وفهمها بكونها تحمل وحدة موضوعية واحدة، هو ترتيب القصيدة، فقد ذكر الدكتور/ ناصر الدين الأسد أن الشيخ/ شاكر كان في تدريسه للطلاب - الأصمعيات- يبذل جهدًا كبيرا في إعادة ترتيب القصيدة بعد تجميعها من مظانِّها ليفهم الناظر وحدة الموضوع فيها.

وفي سنة 1970 م أسهم الشيخ/ شاكر في نشر الوحشيات- وهو الحماسة الصغرى لأبي تمام الطائي، وفي عام 1974 أعاد نشر كتاب ابن سلام"طبقات فحول الشعراء"، ثم أعاد نشر كتابه"المتنبي"سنة 1976 مع مقدمة جديدة، تحدث فيها عن الكتاب وقصته وتحدث فيها عن فساد الحياة الأدبية، وعرض صور السرقة التي يقتات عليها بعض المؤلفين، وكشف فيها عن منهجه في تذوق الشعر تذوقا علميًا للوصول إلى ما يريده الباحث، سواء كان المراد من فهم مكنونات الشّاعر النّفسيّة أو معرفة البيئة المحيطة به.

وفي سنة 1975 ألقى الشيخ/ محمود شاكر سلسلة من المحاضرات حول الشعر الجاهلي في جامعة/ محمد بن سعود بالرياض.

في سنة 1982 بدا الشيخ بنشر كتاب"تهذيب الآثار"للإمام أبي جعفر الطبري.

وفي سنة 1984 نشر شاكر"دلائل الإعجاز"وضمَّ إليه"الرسالة الشافعية في الإعجاز"لعبد القاهر الجرجاني.

رسالة الشيخ/ شاكر إلى أمة الإسلام وكتابه"رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"، وهذا الكتاب على صغره غنيّ بالفوائد والمعلومات، وجعلها في طبعة"المتنبي"الجديدة مقدمة لكتابه، شرح فيها باسطا مسألة تذوق الشعر ومنهجه فيه، وبين فيه مزية (الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم المستخرجة، فإنا نجد أربابها قد سبقوا في فصول منها إلى ضرب من النظم والمعرفة، أعيا من بعدهم أن يطلبوا مثله، أو يجيئوا بشبيه له، فجعلوا لا يزيدون على أن يحفظا تكل الفصول على وجوهها. فقد أراد أن يبين عظمة الأوائل وقيمتهم في أبواب العلم، وفي ذلك ردّ على من زعم أن أساليب النقد وعلومه، ومناهج التذوق لا بصر للأوائل بها، وهذا الذي دعا الدكتور / محمد محمد أبا موسى أن يكتب كتابه القيم"الإعجاز البلاغي"درلسة تحليليّة لتراث أهل العلم"ويقول:- إنهم لم يتكلوا في الإعجاز لأن برهانه كان قائما في نفوسهم ومضى الأمر على ذلك حتى تبدلت أحوال العرب، ولانت جلودهم، ونجم في مجتمع المسلمين أهل التشكيك وجاهروا بالزيغ، وكثر القول في القرآن وإعجازه، واندست مقالة أهل الضلالة."

وأشار الدكتور محمد محمد أبو موسى إلى أن الكثير من أهل التحقيق يوهمون الناشئة أن كلام/ شاكر- في اعتبار أن مناهج التذوق والنقد لآداب العربية خاصة لهذه البيئة ولا عبرة بما يقوله الأجانب في هذا الباب- في هذا الباب يمثل موقفه المتشدد. وعلى القارئ الرجوح إلى شرح الشيخ / شاكر لكلمة سيبويه في أول الكتاب: - وأما الغقل فأمثلة أخذت من لفظ أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، وما يكون ولم يقع، وما هو كائن لا ينقطع .. وشرحه كذلك لكلام الجرجاني في أن ما قاله سيبويه لم يمكن لأحد بعده أن يلحق شأوه، أو أن يتقدم عليه.

(المنهج) عند الشيخ شاكر:

شرح الشيخ في الرسالة بعض ما يعنيه بالمنهج قائلا:-

كان منهجي، كما نشأ واستتبّ في نفسي، كان منهجا يحمل بطبيعته نشأته رفضا صريحا واضحا قاطعا غير متلجلج، لأكثر المناهج الأدبية التي كانت فاشية وغالة وصار لها السيادة على ساحة الأدب الخالص إلى يومنا هذا، كما حدّثتك آنفا.

فلكي تكون على بينة مرة أخرى ..

فاعلم، قبل كل شيء، أن تسميتها"مناهج"تجاوز شديد البعد عن الحقيقة وفساد غليظ وخلط، إذا كنت تريد أن تكون على ثقة من معنى هذه الألفاظ التي تجري الآن بيننا، ولكن قد كان ما كان، فهكذا اصطلحوا على تسميتها!

وقديمًا تناولت لفظ"المنهج"وحاولت البيان عنه فقلت:

"ولفظ المنهج"يحتاج مني هنا إلى بعض الإبانة، وإن كنت لا أريد به الآن ما اصحلح عليه المتكلمون في مثل هذا الشان، بل أريد به"ما قبل المنهج"أي الأساس الذي لا يقوم"المنهج"إلا عليه.

"فهذا الذي يسمّى"منهجا"ينفسم إلى شطرين: شطر في تناول المادة وشطر في معالجة التطبيق."

"فشطر المادة يتطلّب قبل كل شيء جمعها من مظانها على وجه الإستيعاب المتيسر، ثم تصنيف هذا المجموع، ثم تمحيص مفرداته تمحيصا دقيقا، وذلك بتحليل أجزائها بدقة متناهية، وبمهارة وحذق وحذر، حتى يتيسر للدارس أن يرى ما هو زيف جليا واضحا، وما هو صحيح مستبينا ظاهرا، بلا غفلة، وبلا هوى، وبلا تسرع"ز

"وأما شطر التطبيق، فيقتضي ترتيب المادة بعد نفي زيفها وتمحيص جيدِّها، باستيعاب أيضًا لكلِّ احتمال للخطأ أو الهوى أو التسرع. ثم على الدارس أن يتحرى لكلّ حقيقة من الحقائق موضعا هو حقّ موضعها، لأن أخفى إساءة في وضع إحدى الحقائق في غير موضعها، خليق أن يشوه عمود الصورة تشويها بالغ القبح والشناعة".

وأزيدك الآن أن"شطر التطبيق"هو الميدان الفسيح الذي تصطرع فيه العقول وتتناصى الحجج، (أي تأخذ الحجة بناصية الحجة كفعل المتصارعين) ، والذي تسمع فيه صليل الألسنة جهرة أو خفية، وفي حومته تتصادم الأفكار بالرفق مرة وبالعنف أخرى، وتختلف فيه الأنظار اختلافا ساطعا تارة أخرى، وتفترق فيه الدروب والطرق أو تتشابك أو تلتقي. هذه طبيعة هذا الميدان، وطبيعة النّازليّة من العلماء والأدباء والمفكرين. وعندئذ يمكن أن ينشأ ما يسمى"المناهج والمذاهب".

وبيَّن أصالة المنهج وأنه ليس بالأمر المبتدع قائلًا:-

تبين لي يومئذ تبيّنا واضحًا أن شطري المنهج:"المادة والتطبيق"كما وصفتهما لك في أول هذه الفقرة، مكتملتان اكتمالا مذهلا يحير العقل، منذ أوليّة هذه الأمة العربية المسلمة خاحبة اللسان العربي، ثم يزدادان اتساعا واكتمالًا وتنوعًا على مر السنين وتعاقب العلماء والكتاب في كل علم وفنّ، وأقول لك غير متردد أن الذي كان عندهم من ذلك، لم يكن قط عند أمة سابقة من الأمم، حتى اليونان، وأكاد أقول لك غير متردد أيضا أنهم بلغوا في ذلك مبلغا لم تدرك ذروته الثقافة الأوروبية الحاضرة اليوم، وهي في قمة مجدها وازدهارها وسطوتها على العلم والمعرفة.

كنت أستشفّ"شطري المنهج"، كما وصفتهما، تلوح بوادره الأُوَل منذ عهد علماء صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ومن حُفِظَت عنهم الفتوى كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر كانت كاللمحة الخاطفة والإشارة الدّالة. ثم زادت وضوحًا عند علماء التابعين كالحسن البصري وسعيد بن المسيّب، وابن شهاب الزهري، والشعبي، وقتادة السّدوسيّ، وإبراهيم النّخعي. ثم اتسع الأمر واستعلن عند جلة الفقهاء والمحدثين من بعدهم، كمالك بن أنس، وأبي حنيفة وخاصبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، والشافعي والليث بن سعد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري ومسلم، وأبي عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وأبي جعفر الطّبري، وأبي جعفر الطحاوي. ثم استقر تدوين الكتب فصار نهجا مستقيما، وكالشمس المشرقة، نورًا مستفيضًا عند الكاتبين جميعا، منذ سيبويه، والفراء، وابن سلام الجمحي، والجاحظ، وأبي العباس المبرد ن وابن قتيبة، وأبي الحسن الأشعري، والقاضي عبد الجبار المعتزلي، والآمدي، وعبد القاهر الجرجاني، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن رشد الفقيه وحفيده ابن رشد الفقيه الفيلسوف، وابن سينا، والبيروني، وابن تيمية وتلميذه ابن قيّم الجوزية، وآلاف مؤلّفة لا تحصى حتى تنتهي إلى السيوطي، والشوكاني، والزبيدي، وعبد القادر البغدادي في القرن الحادي عشر الهجري.

سُنّة متبعة ودرب مطروق في ثقافة متكاملة متماسكة راسخة الجذور، ظلت تنمو وتتسع وتستولي على كل معرفة متاحة أو مستخرجة بسلطان لسانها العربي، لم تفقد قط سيطرتها على النّهج المستبين، مع اختلاف العقول والأفكار والمناهج والمذاهب، حتى اكتملت اكتمالا مذهلًا في كل علم وفنّ، وكان المرجو والمعقول أن يستمر نموها واكتمالها وازدهارها في حياتنا الأدبية العربية الحديثة راهنا، (ثابتا) ، إلى هذا اليوم، لولا ... ولكن صرنا، واحسرتاه، إلى أن نقول مع العرجيّ الشاعر:"كان شيئا كان، ثم انقضى".

ارتباط الثقافة بالدين

وربط بين الثقافة والدين ربطا وثيقا، حيث اعتبر ثقافة كل أمة متصلة بدينها، وأن تخلي الأمة عن ثقافتها هو جزء من التخلي عن دينها ن ولذلك فليس هناك ثمة أمة تغلب أخرى إلا وتنشط إلى تسويق ثقافتها عند الأمة المغلوبة، وهذا ما يحاول جمع من المثقفين المضبوعين بالآخر أن يغالطوه، حيث يزعمون وجود ثقافة عالميّة، لا تختص بأمة ولا دين من الأديان.

جذور الفساد الأدبي

ثم صار الشيخ إلى جذور الفساد الأدبي في حياة أمتنا اليوم، وهو فصل مهم جدير بالعناية والإطلاع ودراسته دراسة واعية مستوعبة، حيث ربط الشيخ بين الحروب الصليبية ونشاط الرهبان، واستطرد في بيان المعركة بين الأمتين المسلمة والنصرانية، حتى ربط بين الحروب القديمة وحركة الإستشراق والتي أقبلت مع هجمة الإستعمار، وأعاد التنبيه إلى كتابه"أباطيل وأسمار"حيث جعله فاضحًا لهذه السموم التي قبعت في داخل أمتنا تعمل فيها فتكا وتدميرًا، يقول الشيخ - رحمه الله تعالى- واصفًا تلك الهجمات:_

"ومع هذه الأساطيل الفاجرة، خرجت من مكامنها أعداد وافرة من رجال يجيدون اللسان العربي وألسنة دار الإسلام الآخر، ومنهم رهبان وغير رهبان، وركبوا البرّ والبحر، وزحفوا زرافات ووحدانًا في قلب دار الإسلام: على ديار الخلافة في تركية، وعلى الشام، وعلى مصر، وعلى جوف إفريقية وممالكها المسلمة = وخرجوا في القلوب حميّة الحقد المكتم، وفي النفوس العزيمة المصممة، وفي العيون اليقظة، وفي العقول التنبه والذكاء، وعلى الوجوه البشر والطلاقة والبرءاة وفي الألسنة الحلاوة والخلابة والمماذقة، ولبسوا لجمهرة المسلمين كل زيّ: زي السائح، وزيّ الصديق الناصح، وزي العابد المسلم المتبل = وتوغلوا يستخرجون كل مخبوء كان عنهم من أحوال دار الإسلام، أحوال عامته وخاصته، وعلمائه وجهّاله. وحلمائه وسفهائه، وملوكه وسوقته، وجيوشه ورعيته، وعبادته ولهوه، وقوته وضعفه، وذكائه وغفلته، حتى تدسّسوا إلى أخبار النساء في خدورهنّ، فلم يتركوا شيئًا إلا خبروه وعجموه، وفتشوه وسبروه، وذاقوه واستشفوه. ومن هؤلاء، ومن خبرتهم وتجربتهم، خرجت أهم طبقة تمخضت عنها اليقظة الأوروبية"طبقة المستشرقين"الكبار، وعلى علمهم وخبرتهم وتجاربهم، رست دعائم"الاستعمار"ورسخت قواعد التبشير".

الاستشراق

ثم كشف عن طريقة الاستشراق في دراسة أمتنا، ودراسة ثقافتها ودينها وذلك عن طريق الإهتمام بالمخطوطات التي سارع المستشرقون إلى اقتنائها عن طريق الشّراء أو النّهب، ثم عن طريق الرحلات الاستكشافية التي جابت الأماكن بلا كلّ ولا ملل، ووصلوا إلى المجاهيل وأعماق الصحراء والقرى البعيدة النائية، وذلك كله من أجل الإحاطة بهذه الأمة والإطلاع على كل شيء فيها ليسهل التعامل معها وأدراك مكامن قوتها حتى وصلوا إلى خبرة (بكل ما في دار الإسلام قديمًا، وما هو كائن فيها حديثا) .وكان من تنبيهاته المهمة أن ما كتبه المستشرقون لا يمكن أن يكون قاعدة لأهل هذا الدين ولا لقوم هذه الأمة لأن كتب (الاستشراق) ومقالاته ودراسته كلها مكتوبة أصلا للمثقف الأوروبي وحده لا لغيره، وأنها كتبت له لهدف معين، في زمان معين، وبأسلوب معين، لا يراد به الوصول إلى الحقيقة المجردة، بل الوصول الموفق إلى حماية عقل هذا الأوروبي المثقف من أن يتحرك في جهة مخالفة للجهة التي يستقبلها زخف المسيحية الشمالية على دار الإسلام في الجنوب.

ثم قام الشيخ - رحمه الله- ببيان أنه لا يمكن للمستشرق أن يستوعب ثقافة هذه الأمة، ولا أن يقوم بتحليلها كما هي في نفسها .. يقول: - غاية ما يمكن أن يحوزه (مستشرق) في عشرين أو ثلاثين سنة، وهو مقيم بين أهل لسانه الذي يقرع سمعه بالليل والنهار، أن يكون عارفًا معرفة ما بهذه (اللغة) وأحسن أحواله عندئذ أن يكون في منزله طالب عربي في الرابعة عشرة من عمره، بل هو أقل منه على الأرجح ..

أما إمكانية إحاطة المستشرق لأمر الثقافة فهذا أمر عسير جدًا، وهو أبعد من قضية أحاطته للغة .. يقول الشيخ - رحمه الله تعالى-:

"وإذا كان أمر"اللغة"شديدًا لا يسمح بدخول"المستشرق" تحت هذا الشرط اللازم للقلة التي تنزل ميدان"المنهج"و"ما قبل المنهج"، فإن شرط "الثقافة"أشد وأعتى، لان"الثقافة"، كما قلت آنفا:"سرٌّ من الأسرار الملثّمة في كل أمة من الأمم وفي كل جيل من البشر، وهي في أصلها الراسخ البعيد الغور، معارف كثيرة لا تحصى، متنوعة أبلغ التنوع لا يكاد يحاط بها، مطلوبة في كل مجتمع إنساني، للإيمان بها أولًا من طريق العقل والقلب = ثم للعمل بها حتى تذوب في بنيان الإنسان وتجري منه مجرى الدم لا يكاد يحس به - ثم الإنتماء إليها بعقله وقلبه انتماءً يحفظه من التفكك والانهيار"... وهذه القيود الثلاثة"الإيمان"و"العمل"و"الإنتماء"، هي أعمدة"الثقافة"وأركانها التي لا يكون لها وجود ظاهر محقق إلا بها، وإلا انتقض بنيان"الثقافة"، وصارت مجرد معلومات ومعارف وأقوال مطروحة في الطريق، متفككة لا يجمع بينها جامع، ولا يقوم لها تماسك ولا ترابط ولا تشابك."

وبديهي، بل هو فوق البديهي، أن شرط"الثقافة"بقيوده الثلاثة، ممتنع على"المستشرق"كل الامتناع، بل هو أدخل في باب الاستحالة من اجتماع الماء والنار في إناء واحد، كما يقول أبو الحسن التُّهامي الشاعر:

ومكلِّفُ الأيام ضدّ طباعها متطلِّبٌ في الماء جذوة نارِ

وذلك أن"الثقافة: و"اللغة"متداخلتان تداخلا لا انفكاك له، ويترادفان ويتلاحقان بأسلوب خفي غامض كثير المداخل والمخارج والمسارب، ويمتزجان امتزاجًا واحدًا غير قابل للفصل، في كلّ جيل من البشر وفي كله أمة من الأمم. ويبدأ هذا التداخل والترافد والتلاقح والتمازج منذ ساعة يولد الوليد صارخًا يلتمس ثدي أمِّه تلمسًا، ويسمع رجع صوتها وهي تهدهده وتناغيه، ثم يظل يرتضع لبان"اللغة" الأول، ولبان"الثقافة"الأول، شيئًا فشيئا، عن أمه وأبيه حتى يعقل، فإذا عقل تولاء معهما المعلمون والمؤدبون حتى يستحصد (أي يشتد عوده) ، فإذا استحصد وصار مطيقًا إطاقة ما للبصر بمواضع الصواب والخطأ، قادرًا قدرة ما على فحص الأدلة واستنباطها فناظر وباحث وجادل، فعندئذ يكون قد وضع قدمه على أول الطريق = لا طريق"المنهج"و"ما قبل المنهج"، فهذا يعيد جدًا كما رأيت= بل على الطريق المفضي إلى أن تكون له " ثقافة"يؤمن بها عن طريق العقل والقلب = ويعمل بها حتى تذوب في بنيانه وتجري منه مجرى الدم لا يحسه به = وينتمي إليها بعقله وقلبه وخياله انتماءً يحفظه ويحفظها من التفكك والإنهيار."

مفهوم الثقافة

ثم بين الشيخ ما يكتنف لفظ الثقافة من تزوير وغموض، وبدا يعرف قارئه ما يقصد بلفظ الثقافة وأنها تقوم على شيئين:

أولهما: أصول ثابتة مكتسبة تنغرس في نفس الإنسان منذ مولده حتى يشارف حد الإدراك، وهو ما يتلقاه من أبويه وأهله وعشيرته، وسمّى هذا الطور بأساس التسخير ...

وثانيهما:- فروع منبثقة عن الطور الأول، وهو طور النظر والمباحثة وممارسته التفكير والتنقيب والفحص، فعندئذ تتكون النواة الجديدة. (ويبدأ العقل عمله المتسبب في الإستقلال بنفسه، ويستبد بتقليب النظر والمباحثة وممارسة التفكير والتنقيب والفحص وهذه تسمى"ثقافة"

نفي خديعة الثقافة العالمية

ثم يشرع في بيان ارتباط الثقافة واللغة بالدين، وينفي وجود ثقافة (عالمية) ، أي ثقافة واحدة يشترك فيها البشر جميعا، ويقول: إن هذا (تدليس كبير، وإنما يراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والأمم، هدف آخر يتعلق بفرض سيطرة أمة غالبة على أمة مغلوبة لتبقى تبعا لها ... فالثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر وتتناقش، ولكن لا تتداخل تداخلًا يفضي إلى الامتزاج البتة، ولا يأخذ بعضها على بعض شيئًا، إلا بعد عرضه على أسلوبها في التفكير والنظر والاستدلال .. ويفضي بعد هذا إلى وجوب استبعاد عمل المستشرقين وإقصائه في دراستهم لأمتنا وتاريخها وثقافتها.

رواد النهضة كما يراهم شاكر:

والشيخ شاكر يرى أن الأمة كان بإمكانها أن (تنهض) وأن تدخل طورًا تجديديًا في تاريخها المعاصر، ولكن كان ما كان ... ويعلق أن النهضة كان يمكن لها أن تكون على يد خمسة رجال هم:-

1 -عبد القادر بن عمر البغدادي (1682 م) صاحب"خزانة الأدب"في مصر، وهو الذي يعتبره الشيخ شاكر الرائد في تبنّيه إعادة قدرة الأمة على التذوق، تذوق اللغة والشعر والآداب وعلوم اللغة.

2 -الجبرتي الكبير حسن بن إبراهيم (والد صاحب التّاريخ) (1774 م) في مصر، ويعتبره الشيخ/ شاكر رائد في تنبيه الأمة إلى الصناعات الحضارية وعلوم الكيمياء والفلك.

3 -محمد بن عبد الوهاب (1792 م) في جزيرة العرب، ويعتبره الشيخ شاكر رائدًا في تحقيق النّهضة الدينية، وردّ البدع والعقائد الفاسدة.

4 -محمد عبد الرّزّاق المرتضى الزبيدي صاحب"تاج العروس" (1790 م) في الهند وفي مصر، فهو رائد بعث التراث اللغوي الديني.

5 -محمد بن علي الشوكاني (1834 م) في اليمن، ويعده الشيخ شاكر إمامًا في إحياء عقيدة السلف ونبذ التقليد والدعوة إلى الوحدة وتجريم التعصبّ.

ثم بين الشيخ شاكر أسباب عدم حصول النهضة، ويربط بين الإخفاق الحاصل وبين جهود المستشرقين في إيجاد الصراعات تحت عناوين:- (الأصالة والمعاصرة) و (القديم والجديد) و (الثقافة العالمية) وبالقضية الهزلية (قضية موقفنا من الغرب) .

التوصيف الموضوعي لهجمة نابليون على مصر:-

اعتبر الشيخ أن هجمة نابليون على مصر هي من أجل إجهاض ما كان يمكن أن يكون من نهضة لهذه الأمة .. يقول - رحمه الله-: وئدت (اليقظة) أو كادت، وخربت ديارها أو كادت، و استؤصلت شأفة أبنائها أو كادت، واقتطعت أسبابها بالسطو أو كادت، والحمد لله على نعماء (الحملة الفرنسية) التي كان سفاحها المبير (المتحضر) ينوي أن ييشئ لبقايا السيف والتدبير من أبناء القاهرة العتيقة المهدمة (قاهرة جديدة) يستمتعون فيها بجمالها وفنونها، ومسارحها وملاهيها، وقصورها ومتنزهاتها، ويتبخترون في شوارعها خدما فارهين للسادة الأحرار أبناء"الحرية والإخاء والمساواة".

بداية التغريب

قد أفاض الشيخ/ شاكر في جرائم محمد علي الألباني المسمى بالكبير، والعجيب أن بعض الإسلاميين اليوم يريدون عد ما فعله هذا الباشا الكبير هو بداية نهضة لهذه الأمة موافقة لهم للتغربيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت