: بـ شر من ذلك، ولم يقل: بأنقم من ذلك تحقيقًا لشريّة ما سيذكر وزيادة تقرير لها، وقيل: إنما قيل ذلك لوقوعه في عبارة المخاطبين" [1] أي: قول اليهود ما نعلم دينًا شرًا من دينكم. ويفهم من عبارات المفسرين أن المفضل والمفضل عليه لابد أن يكونا من جنس واحد، فإذا قيل: أيّ دينٍ شر من ذلك؟ قلنا: دين من لعنه الله، وإذا قيل: من هو شر من أهل ذلك الدين؟ قلنا: هو من لعنه الله، لمقابلة الأشخاص بالأشخاص، وكذلك الحال بالحال."
وفي إعراب المفضل وهو قوله - تعالى- (من لعنه الله) ، قال الزجاج:"موضع من إن شئت كان رفعًا، وإن شئت كان جرًا، فأما من جر فيجعله بدلًا من شر، والمعنى: قل أؤنبئكم بمن لعنه الله، ومَن رفع فبإضمار (هو) ، كأن قائلًا قال: من هو؟ فقيل هو من لعنه الله" [2] .
ثم أعاد - سبحانه - ذكر اسم التفضيل تأكيدًا على شريتهم فقال - تعالى-: {أولئِكَ شَرٌّ مَكَانًا} قال الفخر الرازي:"أولئك الملعونون الممسوخون شر مكانًا من المؤمنين، وفي لفظ المكان وجهان: الأول: لأن مكانهم سقر، ولا مكان أشد شرًا منه، والثاني: انه أضاف الشر في اللفظ إلى المكان، وفي الحقيقة لأهله، وهو من باب الكناية" [3] . ومن وما بعدها حذفا للعلم وهما مقدران عند القرطبي بقوله:"أولئك الذين لعنهم الله شر مكانًا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر، وقيل: أولئك الذين لعنهم الله شر مكانًا من الذين نقموا عليكم، وقيل: أولئك الذين نقموا عليكم شر مكانًا من الذين لعنهم الله" [4] ، والأولى أن يبقى شر على إطلاقه، كما ورد مجردًا من الإضافة ولفظ من اللذين يقيدانه بالمفضل عليه، وهذا الإطلاق يزيده قوة، إذ يجعل مكان الملعونين شرًا من كل مكان موصوف بالشر، فكلما رأينا أو سمعنا أو تخيلنا مكانًا هو شر، كان مكانهم شرًا منه، وهذا أبلغ، جاء في نظم الدرر"وإذا كان ذلك لمكانهم فما ظنك بأنفسهم؟" [5] .
(1) إرشاد العقل السليم: 2/ 291.
(2) معاني القرآن وإعرابه: 2/ 251.
(3) التفسير الكبير: 4/ 491.
(4) الجامع لأحكام القرآن: 6/ 153.
(5) أبو الحسن البقاعي: 6/ 201.