الصفحة 74 من 206

(ذلك) فهو اسم إشارة يراد به البعيد بدلالة اللام فيه، ولقد تنبه الطبري للعلاقة بين (ذلك) وبين (مثوبة) المنصوب على التمييز، فقال:"هل أنبئكم يا معشر أهل الكتاب بـ شر من ثواب ما تنقمون منا" [1] . على أن المثوبة توضع موضع العقوبة [2] .

ومن المفسرين من يرى أن معنى الآية لا يتم إلا بتقدير مضاف محذوف قبل (ذلك) ، فهو عند الزمخشري"بـ شر من أهل ذلك أو دِين" [3] ولا يصح عند الرازي إلا الأول"لأنه قال (من لعنه الله) ولا يقال: الملعون شر من ذلك الدين، بل يقال: انه شر ممن له ذلك الدين" [4] وذهب ابن عطية إلى أن (ذلك) إنما يشار به إلى حال الفاسقين في قوله: (وأن أكثركم فاسقون) والمعنى:"قل يا محمد للمؤمنين هل أونبئكم بـ شر من حال هؤلاء"

الفاسقين ... اولئك أسلافهم، فتكون الإشارة (بذلك) إلى حالهم" [5] ، وأيده عليه أبو حيان الأندلسي قائلًا:"فيحتاج إلى حذف مضاف إما قبله وإما بعده، فيقدر قبله (بـ شر من أصحاب هذه الحال) ، ويقدر بعد، (حال من لعنه الله) " [6] ."

وهنا تتضح دلالة اسم التفضيل شر فإن كان المراد بـ (ذلك) أهل الكتاب عامة، أو بني إسرائيل خاصة، أو دينهم أو ما ينقمون من الإيمان بالله، أو حال الفاسقين، فإن دلالة شر باقية على حقيقتها من الاشتراك والزيادة فيكون (من لعنه الله) مشارك لما ذكر في الشر وزيادة، أما إذا كان الخطاب موجهًا لأهل الكتاب كما قيل، وأشير بـ (ذلك) إلى إيمان المؤمنين، فيكون الاشتراك في الشر في معتقد اليهود إذ قالوا: ما نعلم دينًا شرًا من دينكم، فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك، ولكن لعنة الله وغضبه شر من ذلك، فأما في الحقيقة فلا شر عند المؤمنين ولا شركة لهم في ذلك مع اليهود والكفار [7] .

وهنا يسأل: إذا كان مدار الحديث عن النقم والمنقوم منه فلماذا لم يقل: قل هل أنبئكم بأنقم من ذلك وجاء بـ شر من ذلك؟ والجواب عنه أن"مجرد النقم غير مفيد، لشريّته البتة قيل"

(1) جامع البيان: 6/ 348.

(2) ينظر: الكشاف: 298.

(3) الكشاف: 298.

(4) التفسير الكبير: 4/ 390.

(5) المحرر الوجيز: 557.

(6) البحر المحيط: 3/ 528.

(7) ينظر: المحرر الوجيز: 557 والتفسير الكبير: 4/ 390 والبحر المحيط: 3/ 528.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت