ومثل هذه الآية قول الله - تعالى-: {وَإذا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفإنبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [1] .
فقد اختلف أهل التفسير في تعيين المشار إليه في هذه الآية أيضا، لكن أقوالهم تصب في اتجاهات ثلاثة:
الأول: أن المشار إليه هو ما يلحق الكفار من الغضب والغيط من تلاوة القرآن عليهم [2] .
الثاني: ما يلحق القراء مما يهم به الكفار من السطو والضرب [3] .
الثالث: ما يلحق المؤمنين مما يعيرونهم به من بذاذة الحال ورثاثتها وأنهم شر خلق الله [4] .
فاسم التفضيل شر دال على حقيقة المفاضلة القائمة على المشاركة والزيادة، فالمفضل الذي هو النار مشارك لما ذكر في أصل الشر، مع الزيادة فيه، فاسم التفضيل شر أفاد أن مدار حياة الكفار إنما هي بين شر وشر منه، فلا يكاد العذاب النفسي في الدنيا ينتهي حتى يختم بعذاب الخلد في الآخرة، فإذا عرف المؤمنون تلك النهاية المريعة لم يلتفتوا إلى ما ينالونه منهم.
وورد اسم التفضيل شر مضافًا إلى اسم (الدواب) المقترن بالألف واللام في موضعين من القرآن، وهو قوله - تعالى-: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} [5] وقوله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [6] فالآيتان متشابهتان إلا في المفضل الذي كُني عنه في الآية الأولى بقوله: (الصم والبكم) ، وصرح به في الآية بقوله: (الذين كفروا) .
وإضافة شر إلى الاسم المعرفة (الدواب) أكسبته التعريف، وبذلك صرح سيبويه فقال:"إنما ثبتوا في قولهم أفضل الناس، لأن الأول قد يصير معرفة، فأثبتوا (أل) " [7] .
(1) الحج: 72.
(2) ينظر: التفسير الكبير: 8/ 251 والبحر المحيط: 6/ 358 والتحرير والتنوير: 17/ 336.
(3) ينظر: تفسير السمرقندي: 2/ 404 وجامع البيان: 27/ 237 والجامع لأحكام القرآن: 12/ 64.
(4) ينظر: تفسير السمرقندي: 2/ 404، جامع البيان: 27/ 237.
(5) الأنفال: 22.
(6) الأنفال: 55.
(7) الكتاب: 1/ 204.