الصفحة 70 من 206

كَانُوا يَعْلَمُونَ فأما وهن بيت العنكبوت فكل الناس يعلمونه، والمراد"لو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت ... لما عبدوها" [1] ، وتأول الرازي الآية لبيان المناسبة بين المضروب به والمضروب له المثل، كذلك لبيان الحكمة التي اقتضت ذكر أوهن بأن العنكبوت لم يحصل له باتخاذ ذلك البيت من معاني البيت شيء، كمنع البرد ودفع الحر، فكذلك الكافر لم يحصل له باتخاذ الأوثان من معاني الأولياء شيء، كجلب نفع أو دفع ضر، كما أن أعلى درجات البيت أن يمنع الهواء والماء والنار والتراب، وأقل درجاته أن لا يدفع شيئًا من ذلك كبيت العنكبوت، فكذلك المعبود أعلى درجاته أن يكون نافذ الأمر في غيره، فإن لم يكن كذلك فيكون نافذ الأمر في العابد، فإن لم يكن كذلك فلا أقل من أن لا ينفذ أمر العابد فيه، لكن معبودهم تحت تسخيرهم إن شاءوا أجلوه وإن أرادوا أذلوه وكسروه، وأيضا فإن من أدنى مراتب البيت أنه إن لم يكن سبب ثبات واجتماع لا يكون سبب شتات وافتراق، لكن بيت العنكبوت يصير سبب هلاكه، فإنه لو دام في زاوية مدة لا يقصد غيرها فنسج على نفسه بيته اتبعه صاحب الدار بتخريبه وتنظيف البيت منه، فكان قد دل على خلاصه وضياعه وأسرع إلى حتفه، فكذلك العابد ينبغي أن يستحق بعبادته الثواب، فإن لم يستحقه فلا اقل من لا يناله العقاب، لكن الكافر يستحق بعبادته العذاب [2] .

وفي الآية معنى آخر عظيم، فالعنكبوت اعتمدت في بناء بيتها على أضعف مادة وهي خيطها الذي هو منها، فجاء بيتها لذلك ضعيفًا، فكذلك المتخذ الأوثان أولياء اعتمد في عبادتهم على أضعف دليل أبطله وهو التقليد الأعمى للأباء، وتقديم الدنيا على الدين، فكان دينه أضعف الأديان لذلك.

وأمر آخر أيضا وهو أن العنكبوت لا تنسج البيت لتسكنه بقدر ما هو موضع للاصطياد، فعلاقتها به ضعيفة، تسعى إليه في حال حصول النفع كأن يسقط فيه ما تأكله، لكنها لا تلبث أن تهجره لأقل خطر تدركه، فكذلك علاقة هؤلاء بأوثانهم فهم ينزعون إليها في حال تحقق الأرباح الدنيوية من المكاسب التجارية والسيادة وغيرها ويرغبون عنها في أوقات الشدة قال - تعالى-: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فإن أصابه خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخرة ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [3] .

(1) الجامع لأحكام القرآن: 13/ 229.

(2) ينظر: التفسير الكبير: 9/ 57.

(3) الحج: 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت