لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [1] . وهو مثل ضربه الله - تعالى- كسائر الأمثال التي في القرآن."وهذا من أحسن الأمثال وأوّلها على بطلان الشرك وخسارة صاحبه وحصوله على ضد مقصودة" [2] .
ومجيء أوهن في الآية، مبنيًا من الوهن، ومضافًا إلى الجمع، وهو (البيوت) ، وقد عرف الجمع بـ (أل) أفاد توكيد الآية فضلًا عن حرف التوكيد (إن) واللام في خبرها [3] ، فمثل الذي يتخذ من دون الله - تعالى- آلهة لا تنفعه ولا تضره، كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا لايقيها حرًا ولا بردًا، فليس في يديه من آلهته إلا كمن يتمسك بخيط العنكبوت، بخلاف المؤمن
الحق، فهو كما قال - تعالى-: {فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا} [4] [5] .
فمعنى التفضيل الذي في الآية"أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتًا بيتًا بيت العنكبوت، كذلك اضعف الأديان إذا استقريتها دينًا دينًا عبادة الأوثان" [6] ، وهذا يدل على أن بيوت الدويبات متفاوتة بحسب قوتها وضعفها، وان أوهنها بيت العنكبوت، كما يدل على أن الديانات متفاوتة أيضا بحسب ما فيها من الضلالات، إلا أن عبادة الأوثان أحقرها أبعدها عن الخير والرشد [7] .
وفي الآية معنى بليغ، وهو أن الله - تعالى- مثّل للمتخذين من دونه آلهة ببيت العنكبوت في الضعف والوهن، وترك التمثيل للمؤمنين به في قوة إيمانهم وعقيدتهم، لانه من الوضوح بمنزلة ما لا يحتاج إلى تمثيل، فلما دل على بطلان وضعف دين أولئك لم يبق سوى صحة وقوة إيمان هؤلاء، وقد مثل له الزمخشري بقوله:"مثل الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل عنكبوت يتخذ بيتًا، فضلا عن رجل يبني بيتًا بآجر وجص أو ينحته في صخر" [8] ، فالآية اعتمدت في إقامة المثل على الاستدلال بالمعاين المشاهد لدى الناس لبيان غير المعلوم عندهم وهو حقيقة عبادة غير الله تعالى لذلك قال - تعالى-: لَوْ
(1) العنكبوت: 41.
(2) أمثال القرآن: ابن قيم الجوزية: 61.
(3) ينظر: البرهان في علوم القرآن: الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم: 1/ 484.
(4) البقرة: 256.
(5) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 13/ 229 وتفسير ابن كثير: 1436-1437.
(6) الكشاف: 819 - 820.
(7) ينظر: التحرير والتنوير: 20/ 253.
(8) الكشاف: 819.