الصفحة 64 من 206

أما جوّ سورة الإسراء فيلوح بتمادي الكافرين، إذ ادعوا كاذبين أن الله قد خصهم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا، وإذا أصابتهم شدة دعوا الله مخلصين له الدين، فإذا كشف الكرب عنهم أشركوا معه غيره، فيذكرونه في الشدة وينسوه في الرخاء، قال - تعالى-: {وَإذا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلاّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنسان كَفُورًا} [1] ثم إنه - تعالى- تحدى الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فقال - سبحانه: {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرآن لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [2] ، ثم انهم مع ظهور عجزهم ظلوا مصرين على كفرهم، فقال عقب ذلك كله {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القرآن مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} مختتمًا الآية بقوله: {فَأَبَى أكثر النَّاسِ إلا كُفُورًا} .

ويلاحظ أن سياق كل سورة هو الذي يوجه الآيات، ويحتّم على خواتمها أن توافقه، فسورة الإسراء مثلًا، تنتهي أغلب آياتها بوزن (فعولًا أو فعيلًا) مما يقتضي وضع (كفورًا) هنا، أما سورة الكهف فالغالب في آياتها أنها تنتهي بالوزن (فعلًا) بتغير الحركات فاقتضى الوزن قوله (جدلًا) ، وهذا لا يعني أن الوزن هو المراد فحسب، أو أنه هو الذي يجب التزامه وإنهاء الآية به، بل قد يكسر الوزن مراعاة للمعنى كما في قوله - تعالى-: {أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنثى - تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [3] فنحن - المسلمين عامة - لا نشك ولو لحظة أن القرآن الكريم قد راعى وبعناية كلًا من المعنى واللفظ والسياق بل الوزن أيضا في نظمه، فجاء لذلك على أتم وجه وأكمل مقصود، لا يخل فيه معنى بسياق ولا لفظ بوزن.

أَلَدّ:

اللام والدال أصلان صحيحان: أحدهما: اللدد وهو شدة الخصومة، والآخر:

اللديدان: وهما جانبا العنق وصفحتاه، وجانبا الوادي أيضا [4] ، ومنه أخذ اللدود وهو"ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم" [5] ، سمي بذلك لأنه يمرّ على الّلديد [6] . وإذا غلب الرجل خصمه

(1) الإسراء: 67.

(2) الإسراء: 88.

(3) النجم: 21 - 22.

(4) ينظر: مقاييس اللغة: 5/ 203.

(5) الصحاح: 2/ 535.

(6) ينظر: لسان العرب: 3/ 357.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت