وقيل: إن معنى الآية يقوم على حذف مضاف، أي:"هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان؛ لأن تقليلهم لسواد المسلمين يجُر إلى تقوية المشركين" [1] .
وأقرب مأخوذ من القرب المقابل للبعد وهو يعدى بـ (اللام والى ومن) يقال: زيد اقرب لكذا والى كذا ومن كذا من عمرو، و (من) الأولى ليست تفضيلية، واللام في للكفر وللإيمان يتعلقان بأقرب وهذا من خواص اسم التفضيل، أنه يتعلق به حرفا جرٍ من جنس واحد، وليس أحدهما معطوفًا على الآخر ولا بدلًا منه، بخلاف سائر العوامل فإنه لا يتعلق به حرفا جر من جنس واحد إلا بالعطف أو على سبيل البدل فيقال: زيد بالنحو أبصر منه بالفقه، ومن في الثانية تفضيلية متعلقة بأقرب أيضًا [2] .
ويرى آخرون فيما نقل ابن عطية أن أقرب هنا ليس من القرب المقابل للبعد وإنما هو من القَرَب بفتحتين وهو الطلب [3] . وسواء كان اقرب من القرب أي: الدنو أو من القرب بمعنى الطلب فما جاء في سياق الآية موافق للدلالة المعجمية.
"وأكثر العلماء أن هذا تنصيص من الله - تعالى- على أنهم كفار، قال الحسن: إذا قال الله - تعالى-: أقرب، فهو اليقين بأنهم مشركون" [4] .
فإذا أخذنا الآية على ظاهرها لم يسلم لنا المعنى؛ لأنهم ليسوا قريبين من الإيمان حتى يقال: هم إلى الكفر أقرب، كما أن قوله - تعالى- (يومئذ) يوحي ظاهره انهم كانوا أقرب إلى الإيمان قبل ذلك اليوم، فلما عدلنا عن الظاهر إلى التقدير والتأويل صار المعنى:"ما يشاهد من حالهم يومئذ أقرب دلالة على أنهم يبطنون الكفر من دلالة قولهم: إنا مسلمون" [5] فخرجنا بدلالة السياق إلى معنى الآية المعهود.
كما ورد اسم التفضيل (القربى) مؤنث الأقرب، في القرآن الكريم في أكثر من آية ومنه قوله عز اسمه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [6] والأظهر أن (القربى)
(1) التفسير الكبير: 3/ 423.
(2) ينظر: الكشاف: 204 - 205 والبحر المحيط: 3/ 115.
(3) ينظر: المحرر الوجيز: 380.
(4) التفسير الكبير: 30/ 423.
(5) التحرير والتنوير: 4/ 163 وينظر: تفسير السمرقندي: 1/ 314.
(6) الشورى: 23.