الصفحة 58 من 206

الْبَصَرِ أو هُوَ أَقْرَبُ [1] لم يلزم تمييزه، إذ المعنى: أو هو أقرب من لمح البصر، فاستغنى عن ذكر من التفضيلية والتمييز معًا اكتفاء بدلالة السياق، وقد يقتضي المعنى كلًا من التمييز ومن الجارة للمفضول، كقوله - تعالى-: {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} [2] .

وجاء أقرب بصيغة الجمع وقد قرن بـ (أل) في أكثر من موضع كقوله - تعالى-: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقربونَ} [3] ولم يضف إلا في موضع واحد، وهو قوله -عز اسمه: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} [4] .

والأقوى أن يقدم من على متعلق أقرب سواءً كان المتعلق (إلى أو اللام) ؛ لأن تعلق من باسم التفضيل يوجب معنى فيه وهو التخصيص، فإذا فصل بينهما ضعفت تلك العلاقة، ومع هذا فهو جائز ورد القرآن به، قال - تعالى-: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وهو أكثر من أن أحصيه [5] .

أما قوله - تعالى-: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ - وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أو ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [6] ، فـ أقرب هنا اسم تفضيل مستعمل في الدلالة على الزيادة في القرب، أما وجه الزيادة، فهو أنهم كانوا يظهرون الإيمان قبل ذلك اليوم بقولهم: إنا مسلمون، وما ظهرت منهم أمارة تدل على كفرهم، فلما انخذلوا عن معسكر المؤمنين، وقالوا مقالتهم: (لو نعلم قتالًا لاتبعناكم) ازدادوا قربًا من الكفر، وبعدًا عن الإيمان المظنون بهم [7] .

(1) النحل: 77.

(2) الكهف: 24.

(3) النساء: 33.

(4) المائدة: 82.

(5) ينظر: خزانة الأدب: 8/ 263 - 264

(6) آل عمران: 166 - 167.

(7) ينظر: الكشاف: 204.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت