الصفحة 56 من 206

وههنا ملحظ هام، وهو أن من التفضيلية - كما هو معلوم - لا تجرّ غير

المفضول، ولا يُجر بغيرها، فقوله - تعالى-: {مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ} كان مفضلًا قبل دخول الاستفهام والتقدير: من يدعو من دون الله أضل من كل ضال، فلما سبك التركيب مصدرًا بـ من الاستفهامية، جُر (من يدعو من دون الله) بـ من التفضيلية على أنه مفضول، فلما لم يتعين من هو أضل منه، ودل الاستفهام على نفي أن يكون أحد أضل ممن يدعو من دون الله، بقي المجرور بـ من التفضيلية مفضولًا في اللفظ وإن كان مفضلًا من حيث المعنى، وهذا دليل آخر على شدة ترابط الألفاظ مع مراعاة المعاني فقد تكرر ذكر من حرفًا واسمًا خمس مرات دون أن نشعر بتكرارها، وهل ذلك إلا لقوة تماسك الألفاظ وأن كل مفردة قد وضعت في ما لا تصلح إلا له ولا يصلح لغيرها،

كما تنوعت الأسماء الظاهرة في آية ليست من الطوال فمن اسم استفهام + اسم تفضيل + الاسم الموصول + لفظ الجلالة (الله) + الاسم الموصول + الضمير المنفصل + المصدر + اسم الفاعل، فهل نجد تركيبًا أشد تماسكًا من بناء القرآن، ومعنى أوضح وأبلغ من معاني القرآن؟.

كما جاء أضل وقد حذف تمييزه لدلالة الكلام عليه قال - تعالى-: {أولئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [1] ، قال أبو حيان الأندلسي:"حذف التمييز وتقديره: بل هم أضل طريقا منهم" [2] ، ويدل على تقديره بهذا اللفظ أو بلفظ (سبيل) التصريح بذكره في آية أخرى في قوله - تعالى-: {إِنْ هُمْ إلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [3] .

أَقرَب:

"القاف والراء والباء أصل صحيح يدل على خلاف البعد" [4] ، وفعله هو: قرب يقرب قربًا وقربانًا وقربانًا [5] ، وفي العين:"الاقتراب: الدنو، والتقرب: التدني والتواصل بحق أو قرابة" [6] .

(1) الأعراف: 179.

(2) البحر المحيط: 4/ 428.

(3) الفرقان: 44.

(4) مقاييس اللغة: 5/ 80.

(5) ينظر: الصحاح: 1/ 198ولسان العرب: 3/ 44.

(6) العين: 5/ 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت