الصفحة 51 من 206

واختلف في معنى (أسفل سافلين) : فذهب قسم من المفسرين إلى أن المقصود بذلك هو: أرذل العمر، والمراد به الهرم وضعف القوى الظاهرة والباطنة وذهول العقل، حتى يصير الشيخ الكبير كالطفل الصغير، لا يعلم بعد علم شيئًا، قال الزمخشري:"حيث نكسناه في خلقه فتقوس ظهره بعد اعتداله، وأبيض شعره بعد سواده، وتشيّن جلده وكان بضًا، وكلّ سمعه وبصره وكانا حديدين، وتغير كل شيء منه، فمشيه دليف، وصوته خفات، وقوته ضعف، وشهامته خرف" [1] ، فعلى هذا يكون الاستثناء منقطعًا، والمعنى: إلا الذين آمنوا فإنهم وإن ردوا إلى الهرم، فإن لهم من الأجر والثواب كما كان يكتب لهم في وقت صحتهم قوتهم [2] ؛ ولذلك قال: {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} ، لكن وجود الفاء في قوله: (فلهم) يأبى أن يكون الاستثناء منقطعا [3]

ومن المفسرين من يرى أن المراد بـ (أسفل سافلين) النار، ومن النار الدرك الأسفل منها [4] ، أي:"مكانًا أسفل ما يسكنه السافلون، فإضافة أسفل إلى (سافلين) من إضافة الظرف إلى الحال فيه، وينتصب أسفل بـ (رددناه) انتصاب الظرف، أو على نزع الخافض، أي: إلى أسفل سافلين، وذلك هو دار العذاب، كقوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنْ النَّارِ} [5] " [6] ، والهاء في الفعل للفاجر والكافر، رددناهما إلى النار حين لم يشكرا الله - تعالى- على نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية [7] ، ثم استثنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات استثناءً متصلًا فهم لا يردون إلى ذلك [8] .

وذهب آخرون إلى أن معنى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} إلى الضلال، ولا علاقة للآية بصورة الإنسان الظاهرة، بل المراد منها الصورة الباطنة كالإدراك بالعقل والإيمان بالقلب، أي: الجانب الروحي للإنسان، قال الزجاج:"وهو - والله اعلم - أن خلق الخلق على الفطرة فمن كفر وضل، فهو المردود إلى أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أي: إلا"

(1) الكشاف: 1212.

(2) ينظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: ابن عطية: 1990.

(3) ينظر: التحرير والتنوير: 30/ 429.

(4) ينظر: بحر العلوم: السمرقندي: 3/ 491 والمحرر الوجيز: 1990 والتفسير الكبير: 11/ 213 وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: الشنقيطي: 6/ 381.

(5) النساء: 145.

(6) التحرير و التنوير: 30/ 428.

(7) ينظر: تفسير السمرقندي: 3/ 491 والكشاف: 1212.

(8) ينظر: المحرر الوجيز: 1990 والبحر المحيط: 8/ 486.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت