الصفحة 42 من 206

جهة العقل والبصيرة والشرع، لا من جهة الحس" [1] ، من ذلك قوله - تعالى-: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [2] ، وقوله: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأمر قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأَحسَنهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الفاسِقِينَ} [3] ، ففي قوله (بأَحْسَنِهَا) عدة احتمالات:"

الأول: أن يكون (بأَحْسَنِهَا) اسم تفضيل جاء مضافًا إلى المفضل عليه المعرفة، وهو (الهاء) ومعنى المفاضلة: أن تلك التكاليف فيها ما هو حسن وما هو احسن، كالاقتصاص والعفو، والانتصار والصبر، فأمرهم الله - تعالى- أن يحملوا على أنفسهم في الأخذ بما هو ادخل في الحسن وأكثر صوبًا [4] ، ومثله قوله - تعالى-: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [5] ، وفي هذا إشكال لدى بعض المفسرين، جاء للرازي قوله:"فإن قالوا: فلما أمر الله - تعالى- بالأخذ بالأحسن، فقد منع من الأخذ بذلك الحسن، وذلك يقدح في كونه حسنًا، فنقول: يحمل أمر الله - تعالى- بالأخذ بالأحسن على الندب، حتى يزول هذا التناقض" [6] .

الاحتمال الثاني: أن معنى قوله - تعالى-: {يَأْخُذُوا بأَحْسَنِهَا} هو أن يعملوا بالأوامر ويتركوا النواهي؛ لأن العمل بالمأمور به احسن من العمل بالمنهي عنه [7] ، فوقعوا في أعظم مما فروا منه، وهو أن العمل بالمنهي لا حسن فيه، جاء في البحرالمحيط:"ويمكن الاشتراك فيهما في الحسن بالنسبة إلى الملاذ وشهوات النفس، فيكون المأمور به أحسن من حيث الامتثال وترتب الثواب عليه، ويكون المنهي عنه حسنًا باعتبار الملاذ والشهوة، فيكون بينهما قدر مشترك من الحسن وإن اختلف متعلقه" [8] .

(1) التفسير البياني للقران الكريم: عائشة بنت الشاطئ: 2/ 105.

(2) الزمر: 18.

(3) الأعراف: 145.

(4) ينظر: التفسير الكبير: 5/ 360 والكشاف: 387.

(5) الزمر: 55.

(6) التفسير الكبير: 5/ 360.

(7) ينظر: جامع البيان: 9/ 72 والجامع لأحكام القرآن: 7/ 179.

(8) أبو حيان: 4/ 386 -387.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت