الصفحة 6 من 43

وعن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال:"لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا حتى يتغمدني الله برحمته، فسددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحدكم بعمله الجنة، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها إلى الله وإن قل". وفي رواية لها أخرى:"سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة". [1]

وبالنظر إلى هذين النصين ــ القرآن والسنة ــ نجد أن هناك تعارضا واضحا بينهما حيث أن النص القرآني ظاهر أن المؤمن يدخل الجنة بعمله، بينما ظاهر السنة أنه لن يدخل الجنة بعمله وإنما بفضل الله حتى أكرم الخلق سيدنا محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ.

ولإزالة هذا التعارض بين هذين النصين ينبغي معرفة معنى"الباء"في كل منهما ففي الآية الكريمة"الباء"للمقابلة. [2]

وليست للسببية، فالله ــ سبحانه وتعالى ــ يقابلنا على الطاعات القليلة اليسيرة بالخير والنعيم الكثير في جنة عرضها السماوات والأرض ونعيم الجنة لا ينتهي فليس له حدود، وعلى ذلك فدخولنا الجنة لا يكون بسبب أعمالنا وإنما بفضل الله ورحمته، أما"الباء"في الحديث الشريف فهي للسببية وعلى ذلك فمعناها: لا يدخل أحد الجنة بسبب عمله، وإنما بفضل الله ورحمته.

ومن أمثلة"باء"السببية قوله تعالى:"فكلا أخذنا بذنبه". [3]

وقوله:"فأخذهم الله بذنوبهم". [4]

وقوله أيضا:"فأهلكناهم بذنوبهم". [5]

فمعنى ذلك كله بسبب. [6]

ومن ثم فإن حروف المعاني تشتد الحاجة إليها، حيث إن كثيرا من مسائل الفقه ينبني عليها، ولذلك يقول السيوطي [7] في كتابه الإتقان في علوم القرآن:"اعلم أن معرفة ذلك ــ حروف المعاني ــ من المهمات المطلوبة لاختلاف مواقعها، ولهذا يختلف الكلام والاستنباط، كما في قوله تعالى:"وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين". [8] "

(1) راجع: صحيح البخاري: 8 ص 83، كتاب الرقاق، طبع بمطبعة الفجالة الجديدة سنة 1376هـ.

(2) راجع: رصف المباني للمالقي: 146.

(3) العنكبوت: آية رقم 40.

(4) آل عمران: آية رقم 11، الأنفال: آية رقم 52.

(5) الأنفال: آية رقم 54.

(6) راجع: رصف المباني للمالقي: ص 144.

(7) السيوطي: هو الحافظ جلال الدين، أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي، الشافعي له مؤلفات نافت عدتها على خمسمائة مؤلف توفى رحمه الله سنة 911هـ. راجع شذرات الذهب: ج ص 51، 52. والفتح المبين: ج 3 ص 65، 66.

(8) سبأ: آية رقم: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت