المسألة الثالثة
في حاجة علم أصول الفقه
لحروف المعاني
بالنظر إلى الحروف نجد أنها من مباحث علم النحو، ولكن جرت عادة الأصوليين أن يبحثوا عن بعض أحوال الحروف تتميما للفائدة للاحتياج إليها في بض المسائل الفقهية. [1]
فالأصوليون دققوا في فهم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون حيث أن كلام العرب متسع جدا والنظر فيه متشعب، وكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة فقط دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي واستقراء زائد على استقراء اللغوي.
ومن أمثلة ذلك: دلالة صيغة (افعل) على الوجوب، ودلالة صيغة (لا تفعل) على التحريم، وكون كل وأخواتها للعموم، وما أشبه ذلك، لو فتشنا في كتب اللغة لم نجد فيها شفاء لذلك ولا تعرضا لما ذكره الأصوليون، وكذلك لو فتشنا في كتب النحو مثلا، وطلبنا معنى الاستثناء، وأن الإخراج يكون قبل الحكم أو بعد الحكم، ونحو ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون لم نجد أيضا شفاء لذلك في كتب النحو بينما الأصوليون أخذوها باستقراء خاص من كلام العرب، وبأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو، فهذا ونحوه مما تكفل به علم أصول الفقه.
حقيقة لا ينكر أحد أن لأصول الفقه استمدادا من كل من علم اللغة وعلم النحو ولكن تلك الأشياء التي استمدها منهما ومن غيرهما لا تذكر فيه بالذات بل بالعرض. [2]
ولو رجعنا إلى حاجة علم أصول الفقه لحروف المعاني نجد أن حروف المعاني من الأهمية بمكان لأصول الفقه: لأن أكثر الكلام العربي يتوقف على معرفة معناه، ثم الاستفادة منه على معرفة معاني الحروف والأدوات التي تربط بين الأسماء والأفعال.
وبالمثال يتضح المقال، يقول الله سبحانه وتعالى:"وقيل للذين اتقوا ما أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين، جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين، الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون". [3]
(1) راجع: التنقيح لصدر الشريعة والتلويح للتفتازاني: ج 1 ص 89، وشرح الجلال المحلي على جمع الجوامع: ج 1 ص 335، والتقرير والتحبير: ج 2 ص 39، وتيسير التحرير: ج2 ص 63.
(2) راجع: الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي وابنه: ج 1 ص 7، 8، تحقيق د. شعبان محمد إسماعيل ودور حروف العطف للمؤلف: ص7.
(3) النحل: الآيات أرقام (30، 31، 32) .