الصفحة 4 من 43

وحروف المعاني التي نحن بصددها جرت عادة الأصوليين. [1]

أن يبحثوا عن معانيها عقيب بحث الحقيقة والمجاز، وذلك لدلالتها على معان بعضها حقيقة وبعضها مجاز يتوقف شطر من المسائل الفقهية عليها.

فحروف المعاني تنقسم إلى حقيقة ومجاز كانقسام سائر الكلم العربي إلى ذلك فكما أن الألفاظ العربية ــ الأسماء والأفعال ــ غير الحروف تكون تارة في استعمالها حقيقة وأخرى مجازا، فكذلك حروف المعاني لأنها نوع منها وحكمها حكمها.

فمن الحروف ما يستعمل في معناه الأصلي الذي وضع له، فيكون حقيقة، وقد يستعمل اللفظ في غير ما وضع له، أي بمعنى حرف آخر، فيكون مجازا، ومن أمثلة ذلك: الواو مثلا حقيقة في مطلق الجمع مجاز في الحال، والحرف"في"حقيقته الظرفية، فإن ستعمل بمعنى الظرفية كان حقيقة، كقول الله ــ تعالى:"أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" [2] .

أما إن استعمل بمعنى"على"كان الاستعمال مجازا، وذلك ثل قوله تعالى:"ولأصلبنكم في جذوع النخل" [3] .

وحاصل المقام: أن المجاز الإفرادي ثابت في حروف المعاني، وفي المشتقات أيضا بطريق الأصالة عند الأصوليين [4] .

ومنع الأمام الرازي [5] المجاز الإفرادي في الحرف، فقال: لا يدخل في الحرف المجاز بالذات لأن مفهومه غير مستقل بنفسه، بل لا بد وأن ينضم إليه شئ آخر لتحصل الفائدة.

فإن ضم إليه ما ينبغي ضمه إليه فهو مجاز في المركب لا المفرد [6] .

كل هذا يقتضي من المستنبط للأحكام الشرعية والمستدل عليها أن يعرف المعاني الحقيقة التي وضعت لحروف المعاني وكذلك معرفة المعاني المجازية، لأن كثيرا من مسائل الفقه تترتب على ذلك.

ومن ثم رأينا بعض الأصوليين [7] يذكرون حروف المعاني ونحوها بعد الحقيقة والمجاز، لأنها ــ وكما قلت ــ تارة تستعمل فيما وضعت له فتكون حقيقية، وتارة تستعمل في غير ما وضعت له فتكون مجازا، وبعض مسائل الفقه مبني عليها [8] .

(1) خاصة الحنفية.

(2) البقرة: آية رقم 81.

(3) طه: آية رقم 71.

(4) راجع شرح طلعة الشمس: ج1 ص 218.

(5) الرازي هو محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري. أبو عبد الله فخر الدين الرازي الإمام المفسر، أو أوحد زمانه في المنقول والمعقول وعلوم الأوائل ولد سنة 454هـ وتوفى سنة 606هـ. له مؤلفات كثيرة منها"المحصول"في أصول الفقه، ومفاتيح الغيب في تفسير القرآن الكريم، راجع: الأعلام للزركلي: ج 7 ص 203، الطبعة الثانية بالمطبعة العربية بمصر، والفتح المبين في طبقات الأصوليين للمراغي: ج 2 ص 48 الطبعة الأولى سنة 1366 هـ بمطبعة أنصار السنة المحمدية.

(6) راجع: المحصول القسم التحقيقي: ج 1 ص 455 تحقيق د. طه جابر فياض العلواني. ويعلق النقتشواني على هذا بقوله: من أين أنه مجاز تركيب؟ بل ذلك الضم قرينة مجاز الإفراد، نحو قوله تعالى:"ولأصلبنكم في جذوع النخل"أي عليها. راجع: شرح طلعة الشمس ج1 ص 219.

(7) كالحنفية.

(8) راجع: المعتمد لأبي الحسين البصري، ج 1 ص 31، وكشف الأسرار للنسفي ونور ا نوار على المنار: ج 1 ص 189، والتلويح للتفتازاني: ج 1 ص 98، والتقرير والتحبير لابن أمير حاج: ج2 ص 39، وشرح طلعة الشمس: ج 1 ص 218، وتسهيل الوصول للمحلاوي: ص 95، ودور حروف العطف للمؤلف: ص 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت