الصفحة 37 من 43

والراجح: هو رأي أبي حنيفة، لأن إعمال الكلام أولى من إهماله، كما أن المدقق النظر يدرك فرقا بين القائل: جلست يوم العيد في منزلي، وقله جلست في يوم العيد في منزلي، فالأول ظاهره يقتضي استغراق الجلوس بخلاف الثاني. [1]

وفي مسلم الثبوت وشرحه: تقدير"في يفيد الاستيعاب عند أبي حنيفة للفرق الظاهر عرفا ولغة بين صمت سنة وصمت في سنة، فيفهم من الأول استيعاب صيام السنة دون الثاني. [2] "

3 -لو قال شخص لزوجه: أنت طالق في الدار، أي أضاف الطلاق إلى مكان، ففي هذا تطلق زوجه في الحال، حيثما كانت، إذ لا اختصاص للطلاق بمكان، فالمكان لا يصلح ظرفا للطلاق، فالطلاق الواقع في مكان واقع في جميع الأمكنة، وهي إذا اتصفت بالطلاق في مكان تتصف به في الأماكن كلها، فيلغو ذكر المكان بخلاف إضافة الطلاق إلى الزمان، لأن الزمان معدوم، فالتعليق به يكون تعليقا معنى، فيعمل عمل التعليق حقيقة.

والتحقيق: أن الإضافة تجعل ما بعدها حرفا وهو يتضمن نوع تعليق، والتعليق لا يتصور إلا في أي معدوم، وذلك في الزمان لأن أجزاءه توجد شيئا فشيئا بخلاف المكان فإنه بجميع أجزائه موجود، فلا يتصور التعليق به به، وإذا عدم التعليق كان إرسالا للطلاق، والطلاق المرسل لا يتوقف على شئ، لأن الطلاق يتوقف إذا كان معلقا بشئ حقيقة أو معنى، نحو قول الزوج لزوجه: أنت طالق أن كلمت محمدا، أو أنت طالق في غد. كأنه قال: أنت طالق أن جاء غد، فإن وقوع الطلاق يتوقف على الكلام ومجئ الغد لتعلقه بهما بحرف التعليق.

إلا أن يضمر الفعل، فلا يقع الطلاق في الحال، لأنه إن أراد بقوله: أنت طالق في الدار، إضمار الفعل. [3]

فكأنه قال: أنت طالق في دخولك الدار، فهنا يصير بمعنى الشرط، ويعلق الوقوع بوجود الدخول كما هو حكم الشرط، فيصدق ديانة أي فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن اللفظ يحتمله، ولكنه خلاف الظاهر فلا يصدق قضاء. [4]

ولأن بين الظرف والشرط مناسبة من حيث المقارنة، فالطرف مقارن للمظروف كما أن الشرط مقارن للمشروط، أو من حيث تعليق الجزاء بالشرط بمنزلة قوام المظروف بالظرف فتصير الكلمة بمعنى الشرط مجازا. [5]

وفي التمهيد للأسنوي: أنه إذا قال لزوجه وهما في مصر مثلا: أنت طالق في مكة، ففي الرافعي عن البويطي وتبعه عليه في الروضة أنها تطلق في الحال ولكنه يقول: رأيت في طبقات العبادي عن البويطي أنها لا تطلق حتى تدخل مكة وهو متجه فإن حمل الكلام على فائدة أولى من إلغائه. [6]

(1) وقد تقدم ما يدل على ذلك من القرآن الكريم عند الكلام على"في"الظاهرة و"في"المضمرة.

(2) راجع: مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت: ج 1 ص 247.

(3) المراد بالفعل: المصدر بأن يراد في دخولك، فهنا وضع المصدر موضع الزمان.

(4) راجع: كشف الأسرار للنسفي ونور الأنوار: ج 1 ص 230، 231، وشرح المنار وحاشية الرهاوي: ص 495، 496، والتلويح: ج 1 ص 118، ونسمات الأسماء لابن عابدين على شرح إفاضة الأنوار على متن أصول المنار: ص 94، وتيسير التحرير: ج 2 ص 119 وأصول السرخسي: ج 1 ص 21.

(5) راجع: أصول السرخسي: ج 1 ص 224.

(6) راجع: التمهيد: ص 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت