على هذا قوله تعالى:"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" [1] فإنه لا استيعاب فيما فيه الحرف، والاستيعاب ثابت فيما لا حرف فيه.
والنكتة في: أن نصرة الله إياهم في العقبى دائمة، بخلاف النصرة في الدنيا فإنها إنما هي في أوقات؛ لأن الدنيا دار ابتلاء.
والقائل بالفرق بين"في"الظاهرة و"في"المضمرة هو أبو حنيفة. أما عند الصاحبين: فإنه يقتضي استيعاب الكل في الظاهرة والمضمرة بلا فرق بينهما [2] . والراجح هو قول أبي حنيفة كما سيأتي. [3]
المطلب الثاني
في الآثار المترتبة على معنى"في"
إن هناك فروعا فقهية مترتبة على معنى"في"منها:
1 -لو قال رجل: غصبت ثوبا في منديل لزماه، أي الثوب والمنديل، لأنه أقر بغصب مظروف في ظرف، وغصب الشئ وهو مظروف يتحقق بدون الظرف، فلزماه. [4] ومثل ذلك: الحنطة في الكيس، والعطر في القارورة، ونحو ذلك.
2 -لو قال رجل لزوجه أنت طالق في غد، أو أنت طالق غدا. [5] فعند الصاحبين: هما سواء في الحكم حتى آخر النهار، أي لا فرق بين حذف"في"وإثباته ــ كما تقدم ــ حتى لو نوى آخر النهار لم يصدق قضاء عندهما في قوله: في غد، وإنما لو نوى آخر النهار يصدق ديانة.
وقالا: لا يصدق قضاء في قوله: في غد، لأنه وصفها بالطلاق في الغد والغد: اسم لكله، وإنما يتصف بالطلاق في كله إذا وقع الطلاق في أوله، ألا ترى أنه إذا لم يكن له نية يقع في أول النهار، فإذا نوى آخر النهار فقد نوى تخصيص بعضه فلا قضاء كقوله: أنت طالق غدا ونوى آخر النهار.
وعند أبي حنيفة: هناك فرق بين الحذف والإثبات ففي الحذف: أنت طالق غدا ونوى آخر النهار لا يصدق قضاء لأن حرف الظرف إذا أسقط اتصل الطلاق بالغد بلا واسطة، فيقع في أوله لتتصف بالطلاق في جميع الغد، فلا يصدق في التأخير، وفي الإثبات: أنت طالق في غد، أي لم يسقط حرف الظرف صار الطلاق مضافا إلى جزء من الغد مبهم، فيكون نيته بينما لما أبهمه فيصدقه القاضي، وإذا لم ينو شيئا تعين الجزء الأول باعتبار السبق وعدم المزاحم، وإذا نوى آخر النهار كان تعيين الجزء المنوي وهو قصدي أولى بالاعتبار من الجزء الأول وهو ضروري وذلك مثل قوله: لأصومن الدهر، فإنه يقع على صوم الأبد أي يقتضي استيعاب العمر، بخلاف قوله: لأصومن في الدهر، فإنه يقع على صوم ساعة، ولا يقتضي الاستيعاب. [6]
(1) سورة غافر: الآية 51.
(2) راجع: كسف الأسرار للنسفي: ج 1 ص 230، وشرح المنار لابن ملك ص 495.
(3) سيأتي الترجيح في المبحث التالي عند الكلام عن الآثار الفقهية المرتبة على معنى"في".
(4) راجع: كشف الأسرار للنسفي: ج 1 ص 230، وشرح المنار لابن ملك: ص 495.
(5) أضيف الطلاق هنا إلى زمان.
(6) راجع: كشف الأسرار للنسفي: ج 1 ص 230، وشرح المنار: ص 495، وشرح طلعة الشمس: ج 1 ص 245.