المذهب الثالث: الاشتراك اللفظي بين الدخول وعدمه، أي أن الدخول بطريق الحقيقة وعدم الدخول أيضا كذلك. [1]
المذهب الرابع: التفصيل فيدخل إن كان ما بعد"إلى"من جنس ما قبلها، ومن ثم فالغاية تدخل في حكم ما قبلها، ولا يدخل إن كان ما بعد"إلى"ليس من جنس ما قبلها فلا تدخل الغاية في حكم ما قبلها. [2]
وبيان الاستدلال بهذه المذاهب: أن رأى صدر الشريعة ومن وافقه ممن وضع الضابط لدخول الغاية وعدم دخولها، وهو ما ذكرناه سابقا، هو عين المذهب الرابع وإنما الاختلاف في العبارة فقط، فإن قول النحويين: إن الغاية كانت من جنس المغيا معناه أن لفظ المغيا إن كان متناولا للغاية دخلت وإلا فلا.
يقول صدر الشريعة: وإنما اخترنا هذا المذهب الرابع: لأن الأخذ به عمل بنتيجة المذاهب الثلاثة لأن تعارض الأولين أوجب الشك، وكذا الاشتراك أوجب الشك، فإن كان صدر الكلام لم يتناول الغاية لا يثبت دخولها تحت حكم المغيا بالشك، وإن تناولها لا يثبت خروجها بالشك. [3]
اعتراض: وقد ورد على هذا الدليل اعتراضات ذكرها التفتازاني في التلويح، وهي:
الأول: أنه نقل المذاهب الضعيفة، وترك ما هو المختار وهو أنه لا يدل على الدخول ولا على عدمه، بل كل منهما يدور مع الدليل، ولهذا تدخل في مثل قرأت الكتاب من أوله إلى آخره، بخلاف قوله: قرأتنه إلى باب القياس، مع أن الغاية من جنس المغيا.
الثاني: أن القول بكونه حقيقة في الدخول فقط ــ المذهب الأول للنحاة، مذهب ضعيف لا يعرف له قائل، فكيف يعارض القول بعدم الدخول، وإليه ذهب كثير من النحاة.
الثالث: أن ما ذكره يلزم في مسألة السمكة دخول الرأس في الأكل على ما هو مقتضى المذهب الرابع، لأن الصدر يتناوله، والمذهب الرابع يفيد أن كل ما تناوله الصدر دخل.
ومذهب المستدل يفصل فيه بين >أن يكون غاية في الواقع فيخرج مثل أكلت السمكة إلى رأسها، أو يكون غاية في التكلم فيدخل، بين ثم فيكون رأيه ليس هو المذهب الرابع، لأنه اختار أن الرأس لا تدخل ــ في المثال المذكور ــ والمذهب الرابع مقتضاه دخول الرأس، فكيف يكون ما اختاره هو المذهب الرابع. [4]
أقول: لهذه الاعتراضات بطل الدليل، والحق ما ذهب إليه المحققون من الأصوليين والنحاة من أن الدخول أو الخروج متوقف على الدليل لقوة هذا الرأي وسلامته من النقض.
(1) ذكر الرهاوي في حاشيته: ص 492، أن هذا المذهب هو ما عليه المحققون من النحاة لا إلى النهاية من غير دلالة على الدخول وعدمه وإنما ذلك راجع إلى الدليل.
(2) راجع: التوضيح والتنقيح: ج 1 ص 116، وحاشية الرهاوي: ص 492. والبرهان للزركشي: ج 4 ص 232.
(3) التوضيح والتنقيح لصدر الشريعة: ج 1 ص 116، والوسيط في أصول الفقه ص 57 ــ معزو للرجع السابق.
(4) راجع: التلويح ج 1 ص 116، والوسيط في أصول الفقه: 58، 59.