الصفحة 29 من 43

أما التأخير فتثبت فيه العلة حالا ويتأخر الحكم، وأما الفرق بين التأخير والتوقيت كما في أجرت إلى شهر، فهو أن التوقيت تثبت فيه العلة والحكم في الحال ولولا الغاية لامتد إلى غير نهاية، بخلاف التأخير فإن"إلى"فيه تؤخر الحكم ولولاها لثبت الحكم في الحال.

قلنا: في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إلى شهر، إن لم ينو التنجيز أو التأخير بمعنى أنه لم ينو شيئا، يقع الطلاق عند مضي شهر، والحكم يكون كذلك أيضا أن نوى التأخير، أما إن نوى التنجيز تنجز أي وقع الطلاق منجزا لأن قوله إلى شهر يتبادر منه التأخير، كقوله أنت طالق غدا، ويحتمل التوقيت بأن يثبت الطلاق في الحال ويؤقت ثبوته بزمان وهو لا يقبل التوقيت فيلغو فينجز الطلاق.

ولزفر رأي آخر، حيث يقول: إن لم تكن له نية ــ أي لم ينو التأخير أو التنجيز ــ وقع الطلاق منجزا أي في الحال، وعلل ذلك بأن التأخير والتوقيت وصف يقتضي موصوفا موجودا فيوجد الطلاق ويقع، وحينئذ يلغو الوصف.

الجواب: ويجاب عن هذا بالتسليم بوجود الموصوف باعتباره علة فقط، أما حكمها وهو الوقوع فيقبل التأخير، كالطلاق المضاف وتأخير الحكم عن علته ثابت كتأخير وجوب الزكاة عن ملك النصاب إلى الحول. [1]

والأصل في هذه الأحوال الثلاثة السابقة: إعمال"إلى"بقدر الإمكان صونا لها عن الإلغاء، لأن إعمال الكلام خير من إهماله ــ ففي الصورة الأولى أمكن استعمالها في حقيقتها، وفي الثانية لم يمكن جعلها للغاية ولا لتأجيل البيع ووجوب الثمن فجعلت لتأجيل المطالبة، وفي الثالثة لم يمكن جعلها لتوقيت الطلاق ولا لتأخيره لأنه لا يقبلهما فجعلت لتأخير حكمه، والله أعلم.

المطلب الثالث

في دخول الغاية في حكم المغيا وعدمه

يرى المحققون من الأصوليين والنحاة أن"إلى"تدل على أن ما بعدها نهاية حكم ما قبلها فقط، وأما دخول الغاية في حكم ما قبلها أو خروجها عنه فهذا يتوقف على الدليل [2] فمثال دخول الغاية للدليل قوله تعالى:"وأيديكم إلى المرافق". [3] فالمرافق داخلة [4] بالدليل وهو مواظبته ــ صلى الله عليه وسلم ــ على غسلها. [5]

(1) راجع: شرح طلعة الشمس: ج1 ص 241، وأصول السرخسي: ج 1 ص 220 وكشف الأسرار للنسفي: ج 1 ص 228، والوسيط في أصول الفقه للحنفية ص 55، وبحوث في أصول الفقه للحنفية: ص 39، 40.

(2) راجع: التلويح للتفتازاني: ج 1 ص 116 والمعتمد: ج 1 ص 34 والبرهان للزركشي ج 4 ص 232، وقمر الأقمار: ج 1 ص 228، والتحرير وشرحه التيسير: ج 2 ص 109 والوسيط في أصول الفقه للحنفية: ص 56، وبحوث في أصول الفقه للحنفية: ص 40.

(3) سورة المائدة: آية رقم 6.

(4) هناك من يقول: إن"إلى"في الآية بمعنى"مع"راجع: العدة لأبي يعلي: ج 1 ص 203.

(5) وجهت هذه الآية بتوجيهات متعددة منها:

أ- ما ذكر في الصلب.

ب- أن ما بعد"إلى"دخل من باب الاحتياط.

ج- أن اليد مشتبكة مع العظم، ولا يمكن غسلها إلا بغسله.

د- أن"إلى"غاية السقوط، وذلك أن صدر الكلام متناول للغاية وهو اليد، فإنها اسم لأطراف الأصابع، فكانت"إلى"لإسقاط ما وراء المرفق لا لمد الحكم إليها، راجع: التلويح للتفتازاني: ج 1 ص 117 والعدة لأبي يعلي: ج 1 ص 203 هامش معزوا للمرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت