الصفحة 27 من 43

وعند الصاحبين: له أن يعتقهم جميعا، لأن كلمة"من"عامة، وكلمة"من"للبيان، فله أن يعتق كلا منهم، كما في قوله: من شاء من عبيدي عتقه فأعتقه، فإن شاء الكل عتقوا جميعا.

فمرجع الخلاف بين الإمام وصاحبيه إلى"من"فإنها في مثل ذلك لتبعيض عنده، لأنه الحقيقة المستعملة، وللبيان عندهما لأنه مجاز متعارف. [1]

المبحث الرابع

في"إلى"

"إلى"موضوعة للغاية. [2]

أي للدلالة على أن ما بعدها منتهى حكم ما قبلها، سواء أكان ما بعدها مكانا نحو: سافرت إلى مكة، أم زمانا نحو: أجرت هذه الدار إلى شهر، أي امتد السفر وعقد الإيجار إلى الغاية المضروبة.

و"إلى"لها معان أخرى، منها:

1 -أن تكون بمعنى"في"وذلك موقوف على السماع لقلته [3] ، ومن ذلك قول الشاعر [4] :

ولا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي به القار أجرب

أي في الناس.

2 -أن تكون بمعنى"مع" [5] :

(1) راجع: كشف الأسرار للنسفي ونور الأنوار: ج 1 ص 227، 228، وشرح المنار وحاشية الرهاوي: ص 491، 492.

(2) راجع: التبصر والتذكرة: ج 1 ص 286، ورصف المباني: ص 166، وتيسير لتحرير بشرح التحرير: ج 2 ص 109، والبرهان لإمام الحرمين: ج 1 ص 192، وشرح الكافية الشافية: ج 2 ص 799 حيث عبر بالانتهاء وهناك من عبر عن معنى"إلى"بانتهاء الغاية كالزركشي في البرهان: ج 4 ص 232، وابن عقيل في شرحه: ج 2 ص 17، وصاحب العدة: ج 1 ص 202، وغير ذلك وقد اعترض على هذا التعبير بأنه متهافت لأن الغاية معناها الانتهاء، ومن ثم يكون المعنى لانتهاء النهاية، وقد حاول البعض الخروج من هذا الاعتراض، ففسر الغاية بالمسافة، فقال: أي لانتهاء المسافة، يقول صاحب قمر الأقمار على نور الأنوار شرح المنار للكنوي: ج 1 ص 228: لما كان يرد على كلام المصنف (يقصد النسفي) أي الغاية هي النهاية فلا معنى لانتهاء الغاية، دفعه الشارح ــ رحمه الله ــ بقوله: أي لانتهاء المسافة، أطلق عليها الغاية إطلاقا لاسم الجزء على الكل، يقصد الكنوي بالشارح هنا: أحمد المعروف بملاجيون في شرحه المسنى بنور النوار على المنار للنسفي.

ويقول الرهاوي في حاشيته: ص 492، اعلم أن المراد بالغاية في قولهم:"إلى"لانتهاء الغاية هو المسافة إطلاقا لاسم الجزء على الكل، إذ الغاية هي النهاية، ومثله في التلويح للتفتازاني: ج 1 ص 115.

ويقول الأستاذ: أحمد فهمي أبو سنة في كتابه: الوسيط في أصول الفقه للحنفية ص 54، هامش: فسره البعض بأن المراد لانتهاء ذي الغاية فالكلام على حذف المضاف، وقال البعض: المراد بالغاية: المبدأ لأن الغاية تطلق بالاشتراك على نهاية الشئ من آخره، ونهايته من طرفيه، ومنه قولهم: لا تدخل الغايتان عند زفر في له على من درهم إلى عشرة، وهما جوابان غير وافيين، لأن"إلى"تدل على انتهاء حكم ما قبلها لا على انتهائه نفسه فهي لانتهاء حكم ذي الغاية بتقدير مضافين لتصح العبارة. أقول لقد آثرت التعبير بأنها للغاية خروجا من أي اعتراض.

(3) راجع رصف المباني: ص 169، والبرهان للزركشي: ج 4 ص 234.

(4) الشاعر هو النابغة الذبياني، واليت في ديوانه ص 78.

(5) راجع: العدة: ج 1 ص 203، والبرهان للإمام الحرمين، ج 1 ص 192 فقرة 103، والأحكام للآسدي: ج 1 ص 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت