الصفحة 26 من 43

نحو: ما قام من رجل، ونحو: ما رأيت من رجل، فالأول النفي في الفاعل، والمعنى: ما قام رجل، والثاني: النفي في المفعول، والمعنى: ما رأيت من رجل. [1]

هذه هي بعض معاني"من"ولكن ما حقيقتها؟

يقول التفتازاني: أصل"من"ابتداء الغاية، والبواقي راجعة إليها، هذا عند المحققين.

وذهب بعض الفقهاء إلى أن وضعها للتبعيض دفعا للاشتراك، وهذا ليس بسديد لإطباق أئمة اللغة على أنها حقيقة في ابتداء الغاية. [2]

وفي شرح الكوكب المنير:"من"تكون لابتداء الغاية حقيقة ابتداء الغاية حقيقة، وتكون في غيره من المعاني مجاز في غيره. [3]

والسرخسي يقول: إن كلمة"من"للتبعيض باعتبار أصل الوضع، وقد تكون لابتداء الغاية وفيما سواه على سبيل المجاز لرجوعه إليه، وذهب بعض الفقهاء: إلى أنها حقيقة في التبعيض وإليه مال فخر الإسلام وتبعه المصنف. [4] وهذا ليس بسديد لما ذكرنا. [5]

ويقول السالمي: وتستعمل"من"للتبعيض وعليه المحققون، وقال المبرد والزمخشري إن أصل"من"التبعيضية ابتداء الغاية، لأن الدراهم في قولك: أخذت من الدراهم، مبدأ الأخذ، وقال صاحب المرآة، وذهب بعض الفقهاء إلى أن أصل وضعها للتبعيض دفعا للاشتراك، ورد بإطباق أئمة اللغة على أنها حقيقة في ابتداء الغاية، قال: ولو قيل: إنها في العرف الغالب الفقهي للتبعيض مع رعاية معنى الابتداء لم يبعد. [6]

أقول: إن الواقع أن"من"تستعمل في معان كثيرة، وإن تعين معنى واحد ورجع سائر المعاني إليه لأن الأصل عدم الاشتراك فيه تكلف لتبادر كل معنى في استعماله الخاص، وحيث إنه لا يوجد معنى مشترك يعم هذه المعاني وهي مستوية التبادر في أمثلتها كانت"من"مشتركا لفظيا [7] ويتعين المراد منه بالقرينة. [8]

فرع فقهي مترتب على معنى"من": لو قال شخص لآخر: من شئت من عبيد فاعتقه فعند أبي حنيفة للمخاطب أن يعتق جميع العبيد إلا واحدا، لأنه جمع بين كلم العموم وهي"من"وكلمة التبعيض وهي"من"فوجب العمل بحقيقتهما مهما أمكن، فصار الأمر متناولا بعضا عاما، وإذا قصر عن الكل بواحد، كان عملا بهما.

(1) راجع: رصف المباني: ص 389، وشرح طلعة الشمس: ج 1 ص 240.

(2) راجع: التلويح: ج 1 ص 115.

(3) راجع: الكوكب المنير: ج 1 ص 241، 242.

(4) يقصد النسفي.

(5) حاشية الرهاوي / ص 491، 492.

(6) راجع: شرح طلعة الشمس: ج 1 ص 240.

(7) المشترك: هو ما وضع لمعنى كثير بوضع كثير كالعين لاشتراكه في بين المعاني ومعنى الكثرة ما يقبل الوحدة لا ما يقابل القلة، فيدخل فيه المشترك بين المعنيين فقط كالقراء. راجع التعريفات للجرجاني: ص 191، والتلويح للتفتازاني: ج 1 ص 32.

(8) راجع: كشف الأسرار على أصول البزدوي: ج 2 ص 496، والتحرير وشرحه التيسير: ج 2 ص 107، 108، ومسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت: ج 1 ص 244، والوسيط في أصول الفقه للحنفية: ص 54، وبحوث في أصول الفقه للحنفي: ص 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت