فعند الصاحبين: أن"على"هنا بمعنى"الباء"مجازا فهنا"على"استعملت في المعاوضات التي فيها معنى الإسقاط، حيث إن الطلاق على مال، والخلع، والإعتاق بالمال، معاوضة من جانب المرأة والعبد، وإسقاط من جانب الزوج والسيد فالزوج أسقط في يده الزواج، والسيد أسقط قيد الرق.
ومن ثم وبناء على أن"على"هنا بمعنى"الباء"مجازا أي للمعاوضة، فلو طقها واحدة فقط ــ في المثال الأول ــ بانت بواحدة عندهما، وعليها ثلث الألف، حيث قالا: إن"على"للمعاوضة بدلالة حال الزوجة لأنها المتكلمة، والطلاق على مال معاوضة من جانبها. وأجزاء العوض تنقسم على أجزاء المعوض، لأنهما يثبتان معا بطريق المقابلة فيقابل كل جزء من العوض جزءا من المعوض.
وعند الإمام أبي حنيفة ــ رحمه الله ــ أن"على"هنا للشرط، لأنه من حقيقته، ومن ثم ففي قول المرأة لزوجها: طلقني ثلاثا على ألف، فالشرط هو التطليق ثلاثا، والمشروط يثبت بعد الشرط بطريق المعاقبة فيتوقف المجموع على المجموع، كما لو قال: أن خرجت وكلمت فلانا فأنت طالق اثنتين يتوقف الثنتان على مجموع الشرطين، ولا تقع كل واحدة بحصول شرط منهما. ولو انقسم الألف لثبت جزء من المشروط قبل الشرط فلا يتحقق التعقيب، فكان يثبت أحد الطلقات الثلاث قبل الألف. [1]
الترجيح: الراجح أن تكون"على"هنا للشرط، فهي في الشرط بمنزلة الحقيقة [2] المستعملة، وكونها بمعنى"الباء"مجاز متعارف، وذلك لأن الطلاق يقبل الشرط ويكون معاوضة من جانب المرأة إذا وقع على مال، والحقيقة المستعملة أولى من المجاز المتعارف.
كما أن المعوض يثبت العوض مقارنا، والمشروط يعقب الشرط لسبق منه عليه، وليس بين الطلاق وبين ما لزمها من المال مقارنة، لأن الطلاق يقع أولا، ثم يجب المال وذلك معنى الشرط فحمله عليه أولى لقربه من الحقيقة. [3]
يقول صاحب شرح طلعة الشمس: إن قالت المرأة لزوجها: طلقني ثلاثا على ألف فطلقها واحدة. وقع الطلاق رجعيا ولا شئ عليها من الألف، لأن"على"في هذه الصورة محتملة للشرط، وللمعاوضة، فحملها على الشرط لكونها حقيقة عرفية وشرعية أولى من حملها على المجاز الذي هو المعاوضة. [4]
ويقول السرخسي: حقيقة"على"للشرط، فإذا كانت مذكورة فيما يحتمل معنى الشرط يحمل عليه دون المجاز، وعلى اعتبار الشرط لا يلزمها شئ من المال، لأنها شرطت إيقاع الثلاث ليتم رضاها بالتزام المال، والشرط يقابل المشروط جملة ولا يقابله مال، والحقيقة المستعملة أولى من المجاز المتعارف.
(1) راجع: شرح المنار وحاشية الرهاوي وحاشية عزمي زادة وأنوار الحلك: ص 490، 491، وكشف الأسرار للنسفي ونور أنوار وقمر الأقمار: ج 1 ص 226، 227، وأصول السرخسي: ج 1 ص 222، وشرح طلعة الشمس: ج 1 ص 239، ومسلم الثبوت وشرحه: ج 1 ص 243، والوسيط في أصول الفقه للحنفية: ص 52، 53.
(2) تقدم أن"على"تكون للشرط حقيقة في العرف وفي الشرع.
(3) راجع: شرح المنار وحاشية الرهاوي: ص 239.
(4) راجع: شرح طلعة الشمس: ج 1 ص 239.