في الآثار الفقهية المترتبة على معنى"على"
إن هناك فروع فقهية مترتبة على معنى:"على"أذكر منها ما يلي:
الفرع الأول: لو قال شخص: على فلان أف جنيه. يكون دينا. [1] في ذمته، ومن ثم يكون هذا إقرارا بالدين حملا للوجوب على الكامل.
وإن قال: علي ألف جنيه وديعة. [2]
كان إقرارا بالأمانة حملا للوجوب على محتملة وهو وجوب الحفظ بقرينة الوديعة، فقوله وديعة بيان تغيير لأنه غير صدر الكلام عن الإيجاب في الذمة، فينصرف إلى الوديعة، لما فيها من وجوب الحفظ، ولا يثبت به الدين، ويشترط الاتصال وعدم الانفصال، حيث أن شأن بيان التغيير أن يكون متصلا. [3]
يقول صاحب شرح طلعة الشمس: يحمل على الوديعة من الوجوب أيضا تصحيحا لكلام العاقل، فإنه لو حمل على الدين لزم إلغاء لفظ الوديعة. [4]
أقول: إن حمل الكلام على ما به يصح أولى من حمله على ما به يلغى. [5]
الفرع الثاني: لو قال شخص لآخر: بعتك هذه السيارة على عشرين ألف جنيه، فهنا تكون"على"بمعنى الباء. [6]
أي كانت للإلصاق، وكأنه قال: بعتك هذه السيارة بعشرين ألف جنيه، وذلك لتعذر العمل بحقيقة"على"وظهور علاقة المجاز، لأن اللزوم المستفاد من"على"يناسب اللزوم المستفاد من الباء، حيث إن الشئ إذا لزم الشئ كان ملصقا به.
وهكذا إذا استعملت"على"في المعاوضات المحضة. [7] كالبيع والإجارة والنكاح، فإنها تكون بمعنى"الباء"إجماعا. الفرع الثالث: لو قالت المرأة لزوجها طلقني ثلاثا على ألف جنيه، أو قال الرجل لزوجته: خالعتك على مهرك، أو قال السيد لعبده: أنت حر على ألف جنيه.
(1) اقتصر هنا على الدين مع أن القرض دين في الذمة: لأن الدين أعم، إذ كل دين قرض ولا عكس، فلو ذكر الأخص لتوهم قصر الحكم عليه، والدين ما لزم ببيع أو شراء أو صلح من جناية أو غير ذلك. وكذا كل ما لزم بالعقود، بخلاف القرض فإن المراد به السلف. راجع: حاشية الرهاوي: ص 490.
(2) القول بأنه وديعة، ولم يقل: إنه عارية: لأن العارية في النقود قرض، والقرض دين إلا أنه يخالف الدين من جهة التأجيل وعدمه. راجع: حاشية الرهاوي ص 490.
(3) راجع: كشف الأسرار للنسفي: ج 1 ص 226. وشرح المنار لابن مالك: ص 491.
(4) راجع: شرح طلعة الشمس: ج 1 ص 239، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص 135.
(5) راجع: الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 124، ونص القاعدة: إعمال الكلام أولى من إهماله.
(6) أي كانت بمعنى"الباء"التي تصحب الأعواض: لأن اللزوم يناسب الإلصاق فإن الشئ متى لزم الشئ كان ملصقا به لا محالة، ولا يحمل حرف"الباء"هنا على معنى الشرط وهو المعنى الحقيقي المتصور لعلى في المعاوضات لأن هذا متعذر لاستلزامه التعليق بما يحتمل الوجود والعدم، والمعاوضات لا تقبل التعليق والخطر كي لا تصير قمارا، ومعنى الخطر: التردد بين الوجود والعدم، فكأنه قال: إن التزمت عشرين ألف جنيه بعتك هذه السيارة، فالتمليك يكون موقوفا على التزام العشرين ألف جنيه المتردد بين الوجود والعدم. وهو من هذه الناحية يشبه التمليك من طريق القمار، لأن التمليك فيه بسبب موهوم. راجع: شرح المنار: ص 490، والوسيط في أصول الفقه: ص 52، 53.
(7) المراد بالمعاوضات المحضة: الخالية عن معنى الإسقاط، كالبيع والإجارة والزواج فإن فيها مبادلة المال بالمال أو بالمنفعة، راجع: قمر الأقمار المكنون للكنوي نور الأنوار شرح المنار: ج 1 ص 226.